ـ [نياف] ــــــــ [03 - 10 - 06, 06:16 م] ـ
معالم غائبة في الولاء والبراء
ما كان لشعيرة الولاء والبراء أن تندرس وتضعف في واقع الكثير من
المسلمين إلا بسبب ضعف عبوديتهم ومحبتهم لله تعالى؛ فإن عبادة الله ومحبته هي
الأصل، ويتفرع عنها الحبّ والولاء في الله، والبغض والبراء في الله تعالى؛
فكلما كان الشخص أكمل عبودية ومحبة لله تعالى كان أكثر تحقيقًا للولاء والبراء.
ولما غلب على الكثير الولعُ بالشهوات من الأموال والنساء والمناصب وأُشربوا حبّ
الهوى صاروا يوالون ويوادون على حسب أهوائهم وعقولهم المعيشية؛ فضعفت
عبوديتهم لله تعالى بسبب الانهماك في تلك المحبوبات والشهوات، فزاحمت عبوديةَ
الله تعالى ومحبته، ومن ثم ضعف حبهم في الله تعالى، وبغضهم في الله؛ فالحب
في الله والبغض في الله ولوازمهما متفرع عن حب الله تعالى وعبادته. يقول
العلامة عبد الرحمن السعدي: «أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده،
وهي أصل التأله والتعبد له؛ بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل
محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحابِّ وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها
بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه. ومن
تفريعها وتكميلها الحب في الله؛ فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص،
ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه، أو يعادي أعداءه،
وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده» [1] .
ولما كان الخليلان (إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام) أكمل الناس
عبادة لله تعالى، حتى خُصّا بمرتبة الخلّة، وكانا أكمل وأعظم الناس تحقيقًا للولاء
والبراء. قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ)
(النحل: 120) [2] .
وقال عز وجل:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا
لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4) .
وأما عن عبادة نبينا صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه فكان يقوم الليل حتى
تتورم قدماه، ويستغفر الله في اليوم مائة مرة، وقالت عائشة رضي الله عنها عن
عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟» [3] .
وقد حفلت سيرته الشريفة بأمثلة رائعة في تحقيق الولاء والبراء، وقد قال
تعالى: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29) .
، فكان نبي المرحمة، ونبي الملحمة، وهو الضحوك القتّال.
فأما عن موالاته للمؤمنين فقال تعالى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128) .
وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو
العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر (تغيّر)
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر
بلالًا فأذَّن وأقام فصلَّى، ثم خطب فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1) ،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: 18)
، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه،
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)