ـ [ابو البراء] ــــــــ [22 - 12 - 06, 02:24 ص] ـ
الإمام أبو ثور يردُّ على مرجئة العصر الذين يقولون إن عمل الجوارح ليس ركنًا في الإيمان
(( اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به: أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام؛ ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك: أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه، فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان؛ كان عندهم مؤمنًا وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنًا، فلما نفوا أن الإيمان يكون بشيء واحد، وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم؛ لم يكن مؤمنًا إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بالثلاثة الأشياء؛ فكلهم يشهد أنه مؤمن؛ فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.
فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان؛ فيقال لهم: ما أراد الله عزَّ وجلَّ من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل؛ قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعًا؟ أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به؛ أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: لا؛ قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا؛ أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله عزَّ وجلَّ أراد الأمرين جميعًا فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك. فإن احتج، فقال: لو أن رجلًا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم نطلق عليه اسم الإيمان.
قلت - يعني الإمام أبو ثور رحمه الله: إنه لا يكون مؤمنًا إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا؛ فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنًا )) .
انظر: (( أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ) ) (4/ 849) ، و (( مجموع الفتاوى ) ) (7/ 387 - 389) .