وادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله قوت سنة كما ورد في الصحاح , واللفظ لمسلم عن عمر أنه قال:
(كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب , فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة , فكان ينفق على أهله نفقة سنة , وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله - وفي رواية - كان يحبس منه قوت أهله لسنة) .
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله , ولم تكن هذه الأحكام إلا لمن يملكه , ولو لم يكن ما كان لبيانها غرض ولا فائدة.
فهذه هي تعاليم الكتاب والسنة , وفي ضوء هذه نرى الصوفية والمتقدمين منهم بالأخص والمتأخرين أيضا بأيتهما يتمسكون؟
لكي يتضح الأمر عن مرجع تصوفهم ومعول أمرهم.
فذكر المحاسبي المتوفى 243 ه عن صوفي قديم آخر إبراهيم بن أدهم أنه قال:
إن كنت تحب أن تكون لله وليا , وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة , ولا ترغبن فيهما.
ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة 251 هـ أنه قال:
(لا يكن معك شيء تعطي منه أحد) .
وذكر القشيري عن واحد آخر من الصوفية الأوائل داود الطائي المتوفى 165 هـ أنه قال: (صم عن الدنيا , واجعل فطرك الموت , وفر من الناس كفرارك من السبع) .
وسيد الطائفة الجنيد البغدادي يقول:
(أحب للمريد المبتدئ أن لا يشغل قلبه بالتكسب , وإلا تغير حاله) .
ويقول أيضا:
(ما أخذنا التصوف عن القيل والقال , لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) .
ويبين ابن عجيبة الحسني حالة أهل التصوف في كتابه (إيقاظ الهمم) :
(وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا , وإذا لم يصبح عنده سيء أصبح فرحا مسرورا) .
وقال أيضا:
(الفقر أساس التصوف , وبه قوامه) .
وروى مثل ذلك عن أبي محمد رويم المتوفى 303 هـ أنه قال:
(مبنى التصوف على الفقر) .
نعم , الفقر الذي تعوذ منه سيد الخلائق المدعم بالوحي , والمعصوم بعصمة الله وقال: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر) .
فجعلوا ذلك الفقر أساس التصوف وقوامه , وأقاموا بناءه عليه.
ونقل الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن الزهد فقال:
(الزهد هو تخلي الأيدي من الأملاك) .
وبمثل ذلك قال رويم بن أحمد الصوفي المتوفى 303 هـ حينما سئل عن الزهد ما هو؟. فقال: (هو ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا) .
وذكر الشعراني عن ابن عربي أنه قال:
(من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله عز وجل وكلام رسوله وأوليائه فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض خاطره من دخولها , ويفرح لزوالها) .
وينقل أيضا عن إبراهيم المتبولي أنه قال:
(كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا) .
وذكر الصوفي عماد الدين الأموي في كتابه (حياة القلوب) أن رجلا دخل على بعض الصوفية يتكلم في الزهد وعنده قميص معلق وعليه آخر , فقال:
يا شيخ , أما تستحي أن تتكلم في الزهد ولك قميصان.
وزجر السري السقطي رجلا كان يملك عشرة دراهم وقال:
أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم.
وذكر الكلاباذي عن أحمد بن السمين أنه قال:
كنت أمشي في طريق مكة , فإذا أنا برجل يصيح: أغثني يا رجل , الله , الله. قلت مالك , مالك؟
خذ مني هذه الدراهم , فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي , فأخذتها منه فصاح: لبيك اللهم لبيك , وكانت أربعة عشر درهما.
وقال سهل بن عبد الله التستري:
اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال , وبها صار الأبدال أبدالا: أخماص البطون , والصمت والخلوة , والسهر.
وينقل الهجويري عن أبي بكر الشبلي أن واحدا من علماء الظاهر سأله على سبيل التجربة عن الزكاة قائلا:(ما الذي يجب أن يعطى من الزكاة؟.
قال: حين يكون البخل موجودا ويحصل المال فيجب أن يعطى خمسة دراهم عن كل مائتي درهم , ونصف دينار عن كل عشرين دينارا , هذا في مذهبك.
أما في مذهبي فيجب أن لا تملك شيئا حتى تتخلص من مشغلة الزكاة).
وقال الهجويري:
(السكون إلى مألوفات الطبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق) .
وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)