(كان ينبغي للرجل لو خيّر بين أن يضرب عنقه , وبين أن يتزوج امرأة في الفتنة لاختار ضرب العنق على تزويج امرأة في الفتنة) .
ونقل ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر علي المصري المتوفى 804 هـ في كتابه عن أحد كبار الصوفية:
(ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير) .
ونقل الشعراني عن رباح بن عمرو القيسي - من الصوفية الأوائل - أنه قال: لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة , وأولاده كأنهم أيتام , ويأوي إلى منازل الكلاب.
وكتب صوفي قديم آخر , وهو أبو الحسن علي الهجويري المتوفى قريبا سنة 465 هـ قصة غريبة في العزلة والتجرد نقلا عن إبراهيم الخواص أنه قال:
(وصلت إلى قرية بقصد زيارة عظيم كان هنالك , ولما ذهبت إلى داره رأيت بيتا نظيفا مثل معبد الأولياء , وقد جعل في زاويتين من البيت محرابين , وجلس في أحدهما شيخ , وفي الآخر عجوز نظيفة وضيئة , وقد ضعف كلاهما من كثرة العبادة , فأظهر السرور بقدومي , وبقيت هنالك ثلاثة أيام , ولما أردت العودة سألت الشيخ: من تكون لك تلك العفيفة؟ قال: هي من ناحية ابنه عمي , ومن ناحية أخرى زوجي , فقلت: رأيتكما خلال هذه الأيام الثلاثة كالغربيين تماما في الصحبة , قال: نعم , منذ خمسة وستين عاما ونحن كذلك فسألته عن سبب ذلك , فقال: إعلم إننا كنا عاشقين لأحدنا الآخر في الصغر , ولم يكن أبوها يعطيها لي لأن محبتنا صارت معروفة , فتحملت ذلك حتى توفى أبوها , وكان والدي عمها , فزوجها لي , فلما كانت الليلة الأولى من تلاقينا قالت لي: أنت تعلم أية نعمة أنعمها الله علينا إذ أوصل كلامنا إلى الآخر , وأفرغ قلبينا من القيود والآفات السيئة , فقلت: نعم , قالت: فلنمنع أنفسنا الليلة عن هوى النفس , وندس على مرادنا , ونعبد الله شكرًا على هذه النعمة , فقلت: هذا صواب , وقالت هذا نفسه في الليلة التالية. وقلت أنا في الليلة الثالثة: لقد أدينا الشكر ليلتين من أجلك , فلنقض ليلتين أيضا في العبادة من أجلي. وقد تمت الآن خمسة وستون عاما لم يمس أحدنا الآخر , ونحن نقضي كل العمر في شكر النعمة) .
وقال بعد نقلها ونقل أشياء أخرى:
(وفي الجملة: إن أول فتنة قدرت على آدم في الجنة كان أصلها امرأة. وأول فتنة ظهرت في الدنيا - أي فتنة هابيل وقابيل - كانت أيضا بسبب امرأة. وحين أراد الله تبارك وتعالى أن يعذب إثنين من الملائكة جعل سبب ذلك امرأة. وهن جميعا إلى يومنا هذا سبب جميع الفتن الدينية والدنيوية , لقوله عليه السلام:(ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) , فإذا كانت فتنتهن بهذا القدر في الظاهر , فكيف تكون في الباطن؟
وأنا علي بن عثمان الجلابي , من بعد أن حفظني الحق تعالى من آفة الزواج أحد عشر عاما , قدر أن وقعت في الفتنة , وصار ظاهري وباطني أسير الصفة التي كانوا عليها معي , دون أن تكون هنالك رؤية , وقد استغرقت في ذلك عاما , بحيث كان يفسد على ديني , إلى أن بعث الحق تعالى بكمال فضله وتمام لطفه عصمته لاستقبال قلبي المسكين , ومنَّ عليّ بالخلاص برحمته , والحمد لله على جزيل نعمائه.
وفي الجملة فإن قاعدة هذا الطريق وضعت على التجريد , وعندما جاء التزويج اختلف أمرهم , ولا يوجد أي عساكر الشهوة إلا ويمكن إخماد ناره بالاجتهاد , لأن الآفة التي تنشأ منك تكون آلة دفعها معك أيضا , ولا يلزم الغير حتى تزول عنك تلك الصفة.
وزوال الشهوة يكون بشيئين: واحد يدخل تحت دائرة التكلف , وواحد يخرج عن دائرة الكسب والمجاهدة , فما يدخل في تكلف الآدمي ومقدوره هو الجوع , وأما ما يخرج من التكلف الهمم , وتنشر المحبة سلطانها في أجزاء الجسد , وتعزل كل الحواس عن أوصافهم , وتجذب كل العبد , وتغني عنه الهزل.
وإن الحمد بن حماد السرخسي , الذي كان رفيقي في ما وراء النهر , رجلا محتشما , قيل له: أبك حاجة إلى التزويج , قال: لا , قالوا: لم؟ قال: إنني في حالي إما أن أكون غائبا عن نفسي , وإما أن أكون حاضرا بنفسي. وحين أكون غائبا لا أفكر في الكونين , وحين أكون حاضرا فإنني أجعل نفسي بحيث إذا وجدت رغيفا تعتبر أنها وجدت ألفا من الحور. فانشغال القلب بكل ما تريده يكون عظيما , فتنبه).
وذكر السراج الطوسي أيضا قصة صوفي تزوج من امرأة فبقيت عنده ثلاثين سنة وهي بكر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)