وهانحن أولاء قد قربنا من نهاية الطواف المتهيج، وقد ازداد عددًا بما انضم إليه من كل بيت ودار وشارع وطريق، وقد ازدحموا ازدحامًا عظيمًا حتى أن الواحد ليطأ الآخر أو يسحقه بدون أن يشعر بما أتى. وكل ذلك حبًا لما يجري بمن جرحوا أنفسهم في هذه الفاجعة العظمى.
ترى هذا البحر المتموج بالخلق يتجه نحو الصحن وقد غص فناؤه بمن فيه من الزوار
والمتحمسين. ولقد ترى في هذا الصحن زهاء 50 ألفًا من النفوس وقد ازدحموا ازدحامًا بل قد رصوا رصًا. دع عنك ذكر من تسلق الجدران وتعلق بالحيطان ونظر من أعلى السطوح وتطلع من أعالي المشارف والأبنية فأنهم لا يحصون.
هنا ترى المستشهدين قد صاروا إلى حالة تمكننا من أن نشبههم بآلات متحركة لا تعمل عن فكر وروية بل عن حركة عصبية اضطرارية أو عن نوبة صرعية وهم يظلون دائبين في عملهم هذا إلى آخر رمق من حياتهم بدون أن يشعروا بشيء أو يروا شيئًا، ويسمعوا شيئًا سوى القعقعة والجلبة التي تصدم آذانهم أو تغويهم فتنميهم عن هذه الدنيا. وهنا لا ترى ربع عدد أولئك الفرسان البيض الذين كنت رأيتهم قبل بضع ساعات. أما الآخرون فأنهم بقوا في الطريق مغشيًا عليهم أو مائتين. وأما الحاضرون فإنهم قد صاروا إلى حالة تقشعر لها الأبدان وترتعد لها الفرائص.
وبينما أنت تنظر إلى حواليك إذ براية خضراء تبدو لك في الفضاء