حججنا في السنة التي حج فيها أبو نواس فالتقينا في الطواف جميعا ثم تقدمني فكنت أراه خلف امرأة ولا أكاد أراه إلا خلفها وهما أمامي فلم أدر من هي ثم صرت إلى الحجر الأسود فإذا أنا بالمرأة تلثم الحجر وإذا هو قد لثمه معها حتى ألصق خده بخدها فقلت هذا أفسق الناس ثم تفطنت فإذا هي جنان فلما انصرفا لقيته فقلت له ويحك في هذا الموضع لا يزجرك زاجر ولا يمنعك خوف الله عز وجل ولا يردك حياء من الناس قد رايتك وما صنعت اليوم فقال يا أحمق وحسبت قطع المهامه والسباسب والرمال إلا للذي حججت له وإليه قصدت ثم أنشأ يقول
( وعاشقين التف خداهما ** عند التثام الحجر الأسود )
( فاشتفيا من غير أن يأثما ** كأنما كانا على موعد )
( لولا دفاع الناس إياهما ** لما استفاقا آخر المسند )
( ظلنا كلانا ساتر وجهه ** مما يلي جانبه باليد )
( نفعل بالمسجد ما لم يكن ** يفعله الأبرار في المسجد )
قال هارون بن سعد بن الحارث
كنت أسمع في الكوفة بذكر ابي نواس فسألت أبي أن يجهزني إلى بغداد بتجارة ففعل فوصلت بغداد ولزمت دار أبي نواس وخدمته حتى قربت من قلبه فإني معه ذات يوم في بعض الطرق إذ أقبل غلام ما رأيت قبله أحسن منه بطرة على جبينه شعره حسن ولباسه حسن وكان أبو نواس في يومه ذاك واجما كثير الفكر فوقف الغلام وسلم عليه فرد أبو نواس وجعل