كان الفكر السياسي الشيعي في هذه المرحلة واقعيا ومتطلعا نحو الأفضل في تعامله مع مسألة السلطة ، فبعد تخليه عن نظرية (الإمامة الإلهية) المثالية التي لم يكن لها وجود في الخارج ، ورفضه لوليدتها ولازمتها: نظرية (الانتظار للإمام الغائب) انطلق الفكر الشيعي الذي كان قد قبل بمبدأ قيام الدولة في (عصر الغيبة) منذ العهد الصفوي.. انطلق في هذه المرحلة ليطور نظرية السلطة والدولة ويُشرك العلماء ونواب الشعب في إدارة البلاد .
وقد عبر هذا الفكر عن نفسه بقلم أحد أبنائه وهو الشيخ محمد حسين النائيني (تلميذ الشيخ كاظم الخراساني) في كتابه: ( تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي يعتبر قمة الفكر السياسي الشيعي في بداية القرن العشرين..
ينطلق الشيخ النائيني من النظرة التوحيدية للسلطة ، فيقول:· ان المالكية والقاهرية والفاعلية لما يشاء ، والسؤال وعدم المسئولية، من صفات الله تعالى ، فلماذا يستولي عليها السلاطين ويتصفوا بها؟ وينتهي إلى التساؤل:· لماذا لا نحدد السلطان والسلطة بالضرورة القصوى لخدمة المجتمع وتنفيذ الشريعة؟ لماذا يكون الحاكم حاكما مطلقا ومالكا لرقاب الناس وظالما وقهارا وآسرا ( يفعل ما يشاء ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) ؟.. ولماذا لا نقيد سلطة الحاكم ونشرطها بحدود؟ .
ثم يقدم النائيني مفهومين متباينين للسلطة يقوم الأول منهما بجميع درجاته على القوة والتعسف والقهر والتسخير والملك للأموال والناس وعدم المسئولية والاستعباد والألوهية. ويقوم الثاني على الولاية من اجل الخدمة ، وكالة عن الناس وباسمهم ، ويتسم بالأمانة والعدل والمسئولية ويقوم على الحق والحرية والقانون وحاكمية الله سبحانه وتعالى .
ويقول في الفصل الأول من كتابه:· ان مفهوم السلطة في الإسلام وسائر الشرائع والأديان وعند العقلاء والحكماء على الوجه الثاني ، وان تحوله إلى الوجه الأول (التعسفي) من بدع الظالمين والطغاة .