ش المبحث الثاني
بينما كانت نظرية (النيابة العامة) تنمو ببطء وبصورة جزئية ومحدودة ، على أيدي علماء الحلة وجبل عامل في القرن السابع والثامن الهجريين ، كان الواقع الشيعي السياسي يتطور بعيدا عن الفكر السياسي الامامي.. حيث انفجرت ثورة (السربدارية) في نيسابور / خراسان ، وأقامت دولة دامت خمسين عاما من سنة 738ه آلي سنة 782ه - كما رأينا في الصفحات الماضية ، كما قام الشيعة بتأسيس دولة لهم في مازندران وخوزستان وجنوب العراق .
ثم انفجرت حركة جديدة في تبريز على أيدي الصفويين - وهم حركة صوفية تركمانية تحولت آلي التشيع - بقيادة شاب صغير لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره ، اسمه: ( اسماعيل بن صفي الدين بن حيدر ) الذي أعلن قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن العاشر الهجري سنة 907 ه ، في تبريز ، وكان يعتبر (قطبا) في الحركة الصوفية ، وقد ورث هذا اللقب عن أبيه ، كما كان شيخ تكية ويتمتع بمنزلة روحية بين أتباعه ، خاصة وانه ينتمي آلي السلالة العلوية . والانتماء آلي أهل البيت يحتل مكانة مميزة عند الصوفية .
وبالرغم من التطور الكبير الذي كان قد حصل في نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) في مجال الخمس والزكاة والحدود وصلاة الجمعة ، إلا انها - حتى ذلك التاريخ - لم تكن قد تبلورت بعد كنظرية سياسية متكاملة بديلة عن نظرية (الإمامة الإلهية) ولازمتها (الانتظار) بحيث تستطيع ان تبادر آلي تفجير الثورة وإقامة الدولة في (عصر الغيبة) وذلك لاشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام (الرئيس) وعدم جواز تولي غير (الأمام المعصوم) لمقاليد السلطة في البلاد حسب النظرية (الامامية ) القديمة .. ومن هنا كانت نظرية (الانتظار) تفرض نفسها على الفقهاء الشيعة الامامية الاثني عشرية ، وتشل حركتهم وتمنعهم من العمل والتحرك السياسي.