ولكن الشهيد الأول تراجع عن موقف علماء الحلة المتقدم في مجال الخمس ، حيث أكد في (الدروس الشرعية) إباحة المناكح والمساكن والمتاجر وعموم الأنفال حال الغيبة (6) واستقرب صرف نصيب الأصناف عليهم مستحبا ، ومال آلي التخيير في نصيب الأمام بين الدفن والايصاء به وصلة الأصناف مع الأعوام . (7) واعتبر في (البيان) القول بحفظ نصيب الأمام آلي حين ظهوره من أصح الأقوال . 8
وكانت هذه النظرية قد انقرضت منذ اكثر من قرن .. ولكن الشهيد الأول عاد فأحياها من جديد، وسجل بذلك تراجعا عن مواقف علماء الحلة ، متأثرا بنظرية (الانتظار) السلبية التي كانت لا تزال مخيمة على الفكر السياسي الشيعي ، كما سجل تراجعا آخر في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حيث رفض اللجوء آلي استخدام القوة المؤدية آلي الجرح والقتل ، واستقرب في (الدروس ) تفويضهما آلي الأمام . 9
واشترط أيضا في وجوب الجهاد دعاء ( الأمام العادل) أو نائبه ، وصرح في (الدروس) بعدم جواز الجهاد مع الجائر اختيارا إلا ان يخاف على بيضة الإسلام. 10
ومن هنا.. لم يكن الشهيد الأول قريبا من التفكير بالثورة أو إقامة الحكومة الإسلامية ، لأنه كان يعتقد بحرمتها وعدم جوازها إلا للإمام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب) .
وبالرغم من ان الأجواء السياسية والظروف الموضوعية في منتصف القرن الثامن الهجري كانت مهيأة للثورة ، إلا ان الإيمان بنظرية (الانتظار) كان يحول دون إفتاء العلماء بجواز الثورة وإقامة الدولة ، كما كان يشل فاعلية الأمة ( وبالذات الشيعة الامامية) للتحرك والقيام ، ويحدثنا التاريخ عن قصة فريدة من نوعها تكشف عن طبيعة الصراع بين الفكر والواقع ، وهي قصة الحركة السربدارية في نيسابور من ارض خراسان .
الحركة السربدارية