وقد ذكر الكليني والنعماني والصدوق مجموعة من الروايات التي تؤكد وقوع الحيرة بعد غيبة صاحب الأمر واختلاف الشيعة وتشتتهم في ذلك العصر ، واتهام بعضهم بعضا بالكذب والكفر ، والتفل في وجوههم ولعنهم ، وانكفاء الشيعة كما تكفأ السفينة في أمواج البحر ، وتكسرهم كتكسر الزجاج أو الفخار ، وقولهم بموت صاحب الأمر ، وارتدادهم وعدم البقاء على أمره الا يسيرا منهم .
وبغض النظر عن مناقشة هذه الروايات المختلقة أو المستوردة من الفرق الشيعية والحركات المهدوية القديمة ، فان نقل الكليني والنعماني والخصيبي والصدوق وغيرهم لها ، وتطبيقهم لها على الشيعة في القرن الرابع ، يكشف عن تراجع عامة الشيعة عن القول بوجود (محمد بن الحسن العسكري) بعد قول فئة منهم بذلك فترة من الزمن.
وإذا كانت النظرية قد أصبحت في وقت لاحق عند قسم من الشيعة الامامية وهم (الاثني عشرية) أشبه بالعقيدة الراسخة التي لا تقبل الجدل أو النقاش ، فليس ذلك الا بسبب عملية إعلامية كبرى قام بها أدعياء النيابة وأعوانهم ، وامتدت آثارها الى اليوم .
كانت العملية الإعلامية تتألف من عدة أمور ، هي:
1 -التلفيق الروائي ، واختلاق الأحاديث المختلفة حول (الاثني عشرية والمهدي) . وقد مرّ عرضها ونقدها في الفصل الخاص بالأدلة النقلية حول إثبات المهدي .
2 -الإرهاب الإعلامي ، وقد استخدم أصحاب النظرية ، بالإضافة الى ذلك ، قسما آخر من الروايات الهجومية التي تتهم من لا يؤمن بالمهدي المفترض: (محمد بن الحسن العسكري) بالكفر والردة والفسق والضلال ، والتي تساوي بين إنكار (وجود ) المهدي وإنكار الرسول الأعظم ، وتكذيبه والجحد بنبوته .