وروى الصدوق حديثا عن الامام الصادق (ع) يعتذر فيه عن بيان وجه الحكمة في (غيبة صاحب الأمر) وذلك لأمر لم يؤذن له بكشفه للناس ، ويقول:· ان وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف الا بعد ظهوره.. وانه أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله . 6
ورفض الشيخ المفيد سلوك طريق العقل والاعتبار في التحري عن سبب الغيبة ، وقال:· ان المصلحة لا تعرف الا من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر والعالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر... . 7
وطالب الكراجكي الشيعة بالكف عن التفكير في هذه المسألة ، بعد الإيمان بوجود الإمام وعصمته وانه لا يفعل شيئا الا بإذن الله والتسليم لكل خطوة أو فعل أو موقف يتخذه (الإمام المعصوم) حتى مع عدم معرفة الأسباب والأغراض ، وقال:· انه ليس يلزمنا معرفة هذا السبب ولا يتعين علينا الكشف عنه ، ولا يضرنا عدم العلم به . (8 ) ونفى الشيخ الطوسي الحاجة الى تكلف الكلام في سبب غيبة الإمام بعد ثبوت وجوده . 9
وبعد اعتراف أركان نظرية (الغيبة) بعدم وجود تفسير معقول واكيد للغيبة ، لا تبقى حاجة لمناقشة الروايات والنظريات المختلفة التي قدموها لتبرير الغيبة بالحكمة المجهولة أو بتمحيص الشيعة وغربلتهم ، أو بخوف صاحب الزمان على حياته من القتل ، فان رواتها غلاة وضعاف ، ومضمونها لا ينطبق على (محمد بن الحسن العسكري) .
وقد اعرض معظم الكتاب الذين ألفوا حول الغيبة كالمفيد والمرتضى والطوسي عن تبني نظرية (التمحيص) ما عدا الشيخ الصدوق الذي اهتم بها بعض الشيء ، وان لم يتبنها تبنيا كاملا ، خاصة بعد انقراض الجيل الأول الذي تعرض للتمحيص حتى لم يبق منه أحد .