أخرى، هى تبغيض الحلال إلى الناس، وتزهيدهم في الخير، وذلك إذا تأبّوا عليهم، ولم يستجيبوا لدعوتهم إلى المنكر ..
وحسبهم في هذا أن يصرفوا وجوه المؤمنين عن الإيمان، ويكفّوا أيديهم عن التعامل بالخير، فذلك إن تمّ لهم كان كسبا للمعركة التي يخوضونها مع المؤمنين، وهو عزل أكبر عدد يمكن عزله منهم عن المعركة، بحيث لا يكونون مع المؤمنين ولا على المنافقين!
«ويقبضون أيديهم» أي أن هؤلاء المنافقين الذين يسعون في الناس هذا السعى الحثيث في مجال الإفساد، والإهلاك للناس- هم في الوقت نفسه أشحة على الناس بأى خير يمكن أن تحمله أيديهم إلى الناس، إن كان في يدهم أي خير ..
إنهم أسخياء كرام، يبذلون- في تبذير شديد- كلّ منكر، ويجودون بلا حساب، بكل مفسدة وكل ضلال .. أما في مجال الخير والإحسان، فهم بخلاء أشحّاء، لا تندّ أيديهم بذرة خير، ولا تسخو أنفسهم بعارفة من إحسان! «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» إنهم لا يذكرون الله أبدا، إذ لو ذكروه، لما كان لهم في عباد الله هذا البلاء الذي يرمونهم به، في غير حرج أو تأنّم ..
إنّهم نسوا الله، فنسيهم الله، وتركهم وما هم فيه من ضلال .. فلو أنهم ذكروا الله لوجدوا في قلوبهم خشية له، ولكان لهم في خشيتهم لله ما يمسك بهم عن هذا الضلال الذي يهلكون به أنفسهم، ويهلكون به كثيرا من الناس معهم .. ونسيان الله لهم، هو تركهم لأنفسهم، وحرمانهم من توفيق الله.
«إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» .. أي هم الذين فسقوا عن أمر ربّهم، وخرجوا عن الطريق المستقيم، وركبوا طرق الضلال والهلاك.
قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» هذا هو الجزاء الذي أعدّه الله لأهل النفاق والكفر .. نار جهنم خالدين فيها، لا يتحولون عنها أبدا .. هى حسبهم، أي هى كلّ ما لهم عند الله .. لا شىء لهم غيرها .. ثم من وراء جهنّم وعذابها، لعنة الله القائمة عليهم، وعذاب مقيم لا يفتّر عنهم وهم فيه مبلسون .. [1]
المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة. المنافقون في كل زمان وفي كل مكان. تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد. سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة. تلك سماتهم الأصيلة. أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس. وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دسا وهمسا، وغمزا ولمزا، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا
(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 836)