حين يأمنون. إنهم «نسوا اللّه» فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم «فنسيهم» اللّه فلا وزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند اللّه. وما يحسب الناس حسابا إلا للرجال الأقوياء الصرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار.
أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس، فلا يخشون في الحق لومة لائم، وأولئك يذكرهم اللّه فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم.
«إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» .. فهم خارجون عن الإيمان، منحرفون عن الطريق، وقد وعدهم اللّه مصيرا كمصير الكفار: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، هِيَ حَسْبُهُمْ» .وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم. «وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ» .. فهم مطرودون من رحمته .. «وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» .. [1]
وعَنْ عُبَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ:"يَا أَبَا الْوَلِيدِ اتَّقِ لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ"،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ، قَالَ:"أَيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ"قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا أَوْ قَالَ: عَلَى اثْنَيْنِ" [2] "
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا طَغَى نِسَاؤُكُمْ، وَفَسَقَ شَبَابُكُمْ، وَتَرَكْتُمْ جِهَادَكُمْ؟» ،قَالُوا: وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟،قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُونُ» ،قَالُوا: وَمَا أَشَدُّ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟،قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟» ،قَالُوا: وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟،قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُونُ» ،قَالُوا: وَمَا أَشَدُّ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟،قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَرَأَيْتُمُ الْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا؟» ،قَالُوا: وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"نَعَمْ، وَأَشَدُّ مِنْهُ سَيَكُونُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بِي حَلَفْتُ، لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَصِيرُ الْحَلِيمُ فِيهِمْ حَيْرَانًا" [3]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2286)
(2) - السنن الكبرى للبيهقي (4/ 267) (7663) حسن لغيره
(3) - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن أبي الدنيا (ص: 76) (32) حسن لغيره