فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 849

مِنْ قَتْلِهِ لَهُ وَكَانْتِصَارِنَا لِعِيسَى مِنْ مُرِيدِي قَتْلِهِ بِالرُّومِ حَتَّى أَهْلَكْنَاهُمْ بِهِمْ، فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يُوَجِّهُ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ

عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر:51] «قَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ مَنْصُورُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأُمَّةَ الَّتِي تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَا تَذْهَبُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ قَوْمًا فَيَنْتَصِرُ بِهِمْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَتَلُوا مِنْهُمْ» وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ مِنَ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُولَنَا مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَبَ تُخْرِجُ الْخَبَرَ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ إِذَا لَمْ تَنْصِبْ لِلْخَبَرِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ" [1] "

ـــــــــ

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) } [الأنفال:45]

يحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِين على الثّباتِ عِنْد لِقاءِ الأعْداءِ فِي ساحةِ الحرْبِ، ويأمُرُهُمْ بِذِكِرِ اللهِ عِنْد الشّدائِدِ، لِتقْوى قُلُوبُهُمْ، وتثْبُت نُفُوسُهُمْ، وهذانِ مِنْ أكْبرِ أسْبابِ الفوْزِ والنّصْرِ على الأعْداءِ فِي الدُّنْيا، ومِنْ أسْبابِ الفوْزِ بِالفلاحِ وبِرِضْوانِ اللهِ فِي الآخِرةِ.

وأمر اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِطاعتِهِ تعالى فِي الثّباتِ عِنْد لِقاءِ الأعْداءِ المُشْرِكِين، وبِالإِخْلاصِ لهُ، وبِبذْلِ الجُهْدِ فِي القِتالِ، وبِذِكْرِ اللهِ كثِيرًا لِتطْمئِنّ النُّفُوسُ وتهْدأ، ويُزايلها الخوْفُ والتّردُّدُ والقلقُ، كما أمرهُمْ بِطاعةِ رسُولِ اللهِ، والتِزامِ أوامِرِهِ، إِنْجاحًا لِلْخُطّةِ العامّةِ لِلْجيْشِ فِي المعْركةِ. ثُمّ أمرهُمْ بِألاّ يتنازعُوا، ولا يخْتلِفُوا، لأنّ فِي التّنازُعِ والاخْتِلافِ الفشل والخُذْلان وضياع ما حقّقهُ المُسْلِمُون فِي المعْركةِ {وتذْهب رِيحُكُمْ} .ثُمّ يُكرِّرُ اللهُ تعالى أمْرهُ لِلْمُؤْمِنِين بِالتِزامِ الصّبْرِ، لأنّ الله مع الصّابِرِين.

وعليْكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُون، أنْ تمْتثِلُوا لِما أمركُمْ بِهِ ربُّكُمْ مِنْ طاعتِهِ تعالى، وطاعةِ رسُولِهِ الكرِيمِ - صلى الله عليه وسلم -،والتِزامِ أوامِرِهِما، ولا تكُونُوا كأعْدائِكُمْ المُشْرِكِين الذِين خرجُوا مِنْ مكّة بطرًا بِما أوتُوا مِن النّعْمةِ، ومُراءاةً لِلنّاسِ لِيُعْجبُوا بِهِمْ، ويُثْنُوا عليْهِمْ بِالغِنى والقُوّةِ والشّجاعةِ .. وهُمْ إِنّما يقْصِدُون بِخُرُوجِهِم الصّدّ عنْ

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (20/ 344)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت