فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 849

الأرض الميتة ينزل عليها الماء .. ولكنها مرهونة بتقدير اللّه، يحققها حين يشاء. ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة.

ولكنها لا تخلف أبدا ولا تتخلف وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين! ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند اللّه وأتباع رسله. ويريد اللّه صورة أخرى أكمل وأبقى. فيكون ما يريده اللّه. ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون .. ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد اللّه أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة. وكان ما أراده اللّه هو الخير لهم وللإسلام. وكان هو النصر الذي أراده اللّه لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام.

ولقد يهزم جنود اللّه في معركة من المعارك، وتدور عليهم الدائرة، ويقسو عليهم الابتلاء لأن اللّه يعدهم للنصر في معركة أكبر. ولأن اللّه يهيئ الظروف من حولهم ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع، وفي خط أطول، وفي أثر أدوم.

لقد سبقت كلمة اللّه، ومضت إرادته بوعده، وثبتت سنته لا تتخلف ولا تحيد: «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» .. [1]

ـــــــــ

27 -بذلُ الجهد الكامل لهداية الكفار واليأس من إصلاحهم:

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110]

يُذكِّرُ اللهُ تعالى رسُولهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأنّهُ أرْسل رُسُلًا قبْلهُ فاقْتضتْ حِكْمتُهُ تعالى أنْ يتراخى نصْرُ اللهِ عنِ الرُّسُلِ، وأنْ يتطاول عليْهِمُ التّكْذِيبِ مِنْ قوْمِهِمْ، حتّى إِذا زُلْزِلتِ النُّفُوسُ، واسْتشْعرتِ القُنُوط واليأْس مِن النّجاةِ والنّصْرِ، فحِينئِذٍ يأْتِي نصْرُ اللهِ، فيُنجِّي منْ يشاءُ اللهُ إِنْجاءهُ، ويُهْلِكُ منْ يشاءُ إِهْلاكهُ، ولا يرُدُّ أحدٌ بأْس اللهِ وعِقابهُ عنِ القوْمِ المُجْرِمِين.

وفِي قوْلِهِ تعالى (كُذِبُوا) قراءتانِ:

الأُولى - (كُذِّبُوا) - بِضمِّ الكافِ وتشْدِيدِ الذّالِ - وكذلِك كانتْ تقْرؤُها عائِشةُ رِضْوانُ اللهِ عليْها - ومعْناها: إِنّ الرُّسُل اسْتيْقنُوا أنّ قوْمهُمْ قدْ كذّبُوهُمْ، ولنْ يُؤْمِنُوا لهُمْ، ويئِسُوا مِنْ قوْمِهِم الكافِرِين.

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3788)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت