أما من قاتل منهم فإنه لا يتصور بحال ولا يليق بحال العزيز القهار ذي الانتقام أن يكلف ويرسل رسولًا ويأمره بقتال ثم يقتل وهو لم ير ما وُعد من نصر والآية المذكورة شاهدة في هذا المعنى بذلك.
ومما يلحظ كذلك أن الآيات التي جاء فيها الوعد بالتمكين ونحوه وذُكِر لفظ الرسل فيها فهي في الغالب تجزم بالوعد دون تعليقه على أي عمل أو شرط أو تقديم يتقدم به الرسل لينالوا الوعد ويتحقق لهم؛ بينما الآيات التي يذكر فيها الوعد بالتمكين ونحوه للمؤمنين يعلق الوعد بالتمكين أو النصر أو نحوهما بأعمال وأحوال إذا هي تحققت تحقق لهم متعلقها من الموعود به من النصر والتمكين، وذلك أن الرسل على صلة مباشرة بالوحي فلا حاجة لتنبيههم لحالة أو صفة ليتحلوا بها وهم قد تحلوا بالصفات المؤهلة لنيلهم النصر منذ تأهلوا واستحقوا أن يكونوا موضع رسالات الله سبحانه وتعالى، وكذلك فهم لصلتهم المباشرة بالوحي وعناية الإله ورعايته لدعوتهم، لا يمكن أن يخطئوا الطريق أو يعشوا عن عوامل النصر وأسباب تحقق الوعد بالتمكين.
ـــــــــــــــ
إنّ أهل الإيمان من بعد الرسل فإنهم لا يلبثون بين فينة وأخرى حتى يقصروا عن أسباب النصر، وعوامل التمكين، أو يبحثون عنها أحيانًا، ويخطئون الطريق إليها أحيانًا، أو تفقد منهم صفات وأحوال هي حتمية لنيل النصر وإحقاق وعد الله لهم بالعاقبة، ولذلك جاء الوعد بالتمكين لهم معلقًا بصفات وأعمال وتقدمات يجب أن يحققها أهل الإيمان ليتحقق لهم وعد النصر والتمكين.
وإليك الآيات في ذلك فهي ظاهرة الدلالة واضحة في ترتيب الوعد لهم وتعلقه بأمور عدة بخلاف ما سبق سرده من آيات ذكر فيها الرسل، وذكر فيها الوعد لهم بالنصر والتمكين دون تعليق إلا نادرًا:
قال سبحانه وتعالى: {وعد اللّهُ الّذِين آمنُوا مِنكُمْ وعمِلُوا الصّالِحاتِ ليسْتخْلِفنّهُم فِي الْأرْضِ كما اسْتخْلف الّذِين مِن قبْلِهِمْ وليُمكِّننّ لهُمْ دِينهُمُ الّذِي ارْتضى لهُمْ وليُبدِّلنّهُم مِّن بعْدِ خوْفِهِمْ أمْنًا يعْبُدُوننِي لا يُشْرِكُون بِي شيْئًا ومن كفر بعْد ذلِك فأُوْلئِك هُمُ الْفاسِقُون} (55) سورة النور.
فعلق الوعد بالتمكين هنا بأربعة أمور:
(أ) وجود الجماعة المؤمنة وتحقق الإيمان فيها.
(ب) عمل الصالحات: من القيام بشرائع الدين وتنفيذ أوامر الله عملًا وليس ادعاءً فقط.
(ج) التزام نهج الصحابة، لقوله: (( منكم ) )فالخطاب لهم وينسحب على من نهج نهجهم.
(د) انتفاء الشرك في العبادة: {يعْبُدُوننِي لا يُشْرِكُون بِي شيْئًا} (55) سورة النور
وقال سبحانه وتعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا إِن تنصُرُوا اللّه ينصُرْكُمْ ويُثبِّتْ أقْدامكُمْ} (7) سورة محمد.
وهنا علّق الله سبحانه وتعالى نصره للمؤمنين بقيامهم بنصرة دينه سبحانه.