فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 849

بعد ذلك يبدأ السياق في الفقرة الثالثة من الاستعراض فيلمس أحداث المعركة ذاتها، ولكنه ما يزال يتوخى تقرير الحقائق الأساسية الأصيلة في التصور الإسلامي، ويجعل الأحداث مجرد محور ترتكن إليه هذه الحقائق.

وفي هذه الفقرة يبدأ بالإشارة إلى سنة اللّه الجارية في المكذبين، ليقول للمسلمين إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة، إنما هو حادث عابر، وراءه حكمة خاصة .. ثم يدعوهم إلى الصبر والاستعلاء بالإيمان. فإن يكن أصابتهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها. وإنما هنالك حكمة وراء ما وقع يكشف لهم عنها: حكمة تمييز الصفوف، وتمحيص القلوب، واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم ووقف المسلمين أمام الموت وجها لوجه وقد كانوا يتمنونه، ليزنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي!

ثم في النهاية محق الكافرين، بإعداد الجماعة المسلمة ذلك الإعداد المتين .. وإذن فهي الحكمة العليا من وراء الأحداث كلها سواء كانت هي النصر أو هي الهزيمة .. [1]

ــــــــــــ

53 -اللجوءُ إلى الله تعالى ولاسيما عند الشدائد:

قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:87 - 90]

يذْكُرُ اللهُ تعالى قِصّة يونُس عليهِ السلامُ (وهو ذو النُّونِ أيْ صاحبُ الحُوت) ،وكان اللهُ قدْ بعثهُ نبِيًا إلى أهْل نينوى فدعاهُمْ إلى عِبادةِ اللهِ وحدهُ فأبوْا، وتمادوْا في كُفْرِهم، فخرج يُونُسُ مِنْ بيْنِهِم مُغاضِبًا لهُمْ، وأتْذرهُمْ بأنّ العذاب واقِعٌُ بِهِمْ بعْد ثلاثةِ أيّام، فلما تحقّقُوا مِنْ ذلِك، وعِلمُوا أنّ النبيّ لا يكْذِبُ، خرجُوا مِن البلدِ بأطْفالِهم وأنْعامِهم ومواشِيهِم، ثُمّ تضرّعُوا إلى اللهِ تعالى، وجأرُوا إليهِ بالدُّعاءِ، فرفع اللهُ عنْهُمْ العذاب، وصرفهُ عنْهُم، كما جاء في آيةٍ أُخْرى.

أمّا يونسُ فإنّه ترك قوْمه مُغاضِبًا لهُم، وذهب فركِب في سفِينةٍ فاضْطربتْ وخاف منْ فِيها مِنْ غرقِها، فاقْترعُوا على رجُل يُلقُونهُ مِنْ بينِهم في الماءِ يتخفّفُون مِنهُ، فوقعتِ القُرْعةُ على يُونُس، فأبوْا أنْ

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 775)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت