يُلْقُوهُ، ثُمّ أعادُوا القُرْعة فوقعتْ عليْهِ، فأبوْا، ثمّ أعادُوا للمرةِ الثّالثةِ فوقعتْ عليه، فتجرّد يُونُسُ مِنْ ثِيابِهِ، وألْقى بِنفْسِهِ في الماءِ، فالْتقمهُ الحُوتُ، ولِذلِك سُمِّي بصاحِبِ الحُوتِ (ذُو النُّونِ) .
وكان يُونسُ يظُنُّ أنّ الله لنْ يُضيِّق عليْهِ في بطْنِ الحُوتِ، (أو أنهُ تعالى لنْ يقْدِر عليه أنْ يكُون فِي بطْن الحُوتِ) فكان في بطْنِ الحوتِ في ظُلْمةٍ، وفي أعْماقِ البحْرِ في ظُلمةٍ، وفي ظلامِ الليلِ في ظُلْمةٍ، ولذلك قال تعالى: {فنادى فِي الظلمات} ودعا ربّهُ قائلًا: لا إِله إِلاّ أنْت سُبْحانك إِنِّي كُنْتُ مِن الظّالِمِين.
وقوْله"فاسْتجبْنا لهُ ونجّيْناهُ مِنْ الْغمّ"أيْ أخْرجْناهُ مِنْ بطْن الْحُوت وتِلْك الظُّلُمات"وكذلِك نُنْجِي الْمُؤْمِنِين"أيْ إِذا كانُوا فِي الشّدائِد ودعوْنا مُنِيبِين إِليْنا ولا سِيّما إِذا دعوْا بِهذا الدُّعاء فِي حال الْبلاء فقدْ جاء التّرْغِيب فِي الدُّعاء بِهِ عنْ سيِّد الْأنْبِياء" [1] "
لقد سمي ذا النون - أي صاحب الحوت - لأن الحوت التقمه ثم نبذه. وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى اللّه فاستعصوا عليه، فضاق بهم صدرا، وغادرهم مغاضبا، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم. ظانا أن اللّه لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة، والقرى كثيرة، والأقوام متعددون. وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة، فسيوجهه اللّه إلى قوم آخرين. [2] .
ذلك معنى «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» أي أن لن نضيق عليه. وقاده غضبه الجامح، وضيقه الخانق، إلى شاطىء البحر، فوجد سفينة مشحونة فركب فيها. حتى إذا كانت في اللجة ثقلت، وقال ربانها: إنه لا بد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق.
فساهموا فجاء السهم على يونس، فألقوه أو ألقى هو بنفسه. فالتقمه الحوت. مضيقا عليه أشد الضيق! فلما كان في الظلمات: ظلمة جوف الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل نادى: «أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2486، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - قلت: في هذا الكلام نظر، قال ابن كثير رحمه الله:"إن يونس بن مَتَّى، عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية"نينوى"،وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفُضْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98] ."
وأما يونس، عليه السلام، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا. فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات:141] ،أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس، عليه السلام، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، سبحانه وتعالى، من البحر الأخضر -فيما قاله ابن مسعود-حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظما؛ فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك له يكون سجنًا. تفسير ابن كثير - دار طيبة [5/ 366]