فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 849

تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم. أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال -أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد. [1]

ـــــــــ

33 -شعورهم بأنهم مظلومون وسعيهم لإزالة الظلم:

قال تعالى: {أُذِن لِلّذِين يُقاتلُون بِأنّهُمْ ظُلِمُوا وإِنّ اللّه على نصْرِهِمْ لقدِيرٌ (39) الّذِين أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغيْرِ حقٍّ إِلّا أنْ يقُولُوا ربُّنا اللّهُ ولوْلا دفْعُ اللّهِ النّاس بعْضهُمْ بِبعْضٍ لهُدِّمتْ صوامِعُ وبِيعٌ وصلواتٌ ومساجِدُ يُذْكرُ فِيها اسْمُ اللّهِ كثِيرًا ولينْصُرنّ اللّهُ منْ ينْصُرُهُ إِنّ اللّه لقوِيٌّ عزِيزٌ (40) } [الحج:39،40]

هذِهِ أوّلُ آيةٍ نزلتْ فِي الجِهادِ، وقدْ نزلتْ بعْد خُروجِ النّبِيِّ عليهِ السّلامُ وأصْحابِهِ مِنْ مكّة إِلى المدِينةِ. يقُولُ تعالى: إِنّ المُشْرِكِين قدْ ظلمُوا المُسْلِمين فِي مكّة، وأخْرجُوهُم مِنْ دِيارِهِمْ بِغيْرٍ حقٍّ، ولا ذنْب لهُمْ إِلاّ أنّهُمْ آمنُوا بالله، وقالُوا: ربُّنا اللهُ. ولِذلِك أذِن اللهُ تعالى للمُسْلِمِين فِي قِتالِ المُشْرِكِين، دفْعً لأذاهُم، وإِضْعافًا لِشوْكتِهِم، وتشْجِيعًا لِمنْ أراد الدُّخُول فِي الإِسْلامِ على الالْتِحاقِ بِالمُسْلِمِين لِيكُونُوا قُوّةً تُدافِعُ عنْ نفْسِها، وتُرِهِبُ أعْداءها الكفّار، وإِنّ الله قادِرٌ وحْدهُ على نصْرِ المُسْلِمِين دُون عوْنٍ مِنْهمْ، ولكِنّهُ تعالى يُريدُ مِن المُؤْمِنيِن أنْ يبْذُلُوا جُهْدهُم فِي طاعةِ ربِّهِم، وأن يقُومُوا بِواجِبِهِم فِي الدِّفاعِ عنْ أنْفِسِهِم ودِينِهِ. [2]

وقال السعدي:

كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم. {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فليستنصروه، وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} أي: ألجئوا إلى

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 317)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2518، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت