إن المؤمنين لا يحبون شيئا حبهم للّه. لا أنفسهم ولا سواهم. لا أشخاصا ولا اعتبار ات ولا شارات ولا قيما من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس: «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» .. أشد حبا للّه، حبا مطلقا من كل موازنة، ومن كل قيد. أشد حبا للّه من كل حب يتجهون به إلى سواه.
والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق. فالصلة بين المؤمن الحق وبين اللّه هي صلة الحب.
صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي. صلة المودة والقربي. صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود.
«وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا - إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ - أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا! كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» ..
أولئك الذين اتخذوا من دون اللّه أندادا. فظلموا الحق، وظلموا أنفسهم .. لو مدوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي اللّه الواحد! لو تطلعوا ببصائرهم إلى يوم يرون العذاب الذي ينتظر الظالمين! لو يرون لرأوا «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا» فلا شركاء ولا أنداد .. «وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ» .
لو يرون إذ تبرأ المتبوعون من التابعين. ورأوا العذاب. فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب، وانشغل كل بنفسه تابعا كان أم متبوعا. وسقطت الرياسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها، وعجزت عن وقاية أنفسها فضلا على وقاية تابعيها. وظهرت حقيقة الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة، وكذب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام اللّه وأمام العذاب.
«وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا» .. وتبدى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة. وتمنوا لو يردون لهم الجميل! لو يعودون إلى الأرض فيتبرأوا من تبعيتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب! إنه مشهد مؤثر: مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين. بين المحبين والمحبوبين! وهنا يجيء التعقيب الممض المؤلم: «كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» [1] .
ــــــــــــــ
قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أذِن اللّهُ أنْ تُرْفع ويُذْكر فِيها اسْمُهُ يُسبِّحُ لهُ فِيها بِالْغُدُوِّ والْآصالِ (36) رِجالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجارةٌ ولا بيْعٌ عن ذِكْرِ اللّهِ وإِقامِ الصّلاةِ وإِيتاء الزّكاةِ يخافُون يوْمًا تتقلّبُ فِيهِ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 368)