الْقُلُوبُ والْأبْصارُ (37) لِيجْزِيهُمُ اللّهُ أحْسن ما عمِلُوا ويزِيدهُمْ مِنْ فضْلِهِ واللّهُ يرْزُقُ منْ يشاءُ بِغيْرِ حِسابٍ (38) سورة النور
بعْد أنْ ذكر اللهُ تعالى مثل نُورِهِ لِعِبادِهِ، وهِدايتهُ إِيّاهُمْ، أراد هُنا بيان حالِ منْ اهْتدوا بِذلِك النُّورِ، وصِفاتِهِمْ، فقال: إِنّ حال هؤُلاءِ المُهْتدِين فِي الطّهارةِ مِن النّجاساتِ الحِسِّيّةِ والمعْنوِيّةِ (كاللّغْو والرّفثِ فِي الحدِيثِ) كمثلِ القنْدِيلِ فِي المِصْباحِ المُضِيءِ، الدُّرِي المُقام فِي بيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ التي أُقِيمتْ لِعِبادة اللهِ تعالى فِيها، وهِي مُطهّرةٌ مُنزّهةٌ، يقُومُ فِيها بِعِبادتِهِ تعالى رِجالٌ مُؤْمِنُون يُنزِّهُون الله تعالى فِيها ويُقدِّسُونه فِي أوائِلِ النّهارِ (الغُدُوِّ) وفِي آخِرِهِ (الآصالِ) .
وهؤُلاءِ الرِّجالُ، الذين يعْمُرُون بُيُوت اللهِ، هُمُ رِجالٌ أصْحابُ هِممٍ وعزائِم لا يُلْهِيهِمْ شيءٌ عنْ ذِكْرِ اللهِ، وإِقامِ الصّلاةِ: لا تِجارةٌ، ولا بيْعٌ، ولا تشْغلُهُم الدُّنْيا وزُخْرُفُها، وزِينتُها، وملاذُّها، ولا بيْعُها، ولا رِبْحُها .. عنْ ذِكْرِ ربِّهِمْ لأنّهُمْ يعْلمُون أنّ الذي عنْد اللهِ خيْرٌ لهُمْ وأنْفعُ مِما بِأيْدِيهِمْ، وهُمْ يُقدِّمُون طاعة ربِّهِمْ ومحبّته على مُرادِهِم ومحبّتِهِمْ، فلا شيء يُلْهِيهِم عنْ أنْ يُؤدُّوا الصّلاة فِي وقْتِها، لأنّهُمْ يخافُون يوم القِيامةِ الذي تتقلّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ مِنْ شِدّةِ الفزعِ، وعِظمِ الهوْلِ.
وهؤُلاءِ هُمُ الذينُ يتقبّلُ اللهُ تعالى حسناتِهِمْ، ويتجاوزُ عنْ سيِّئاتِهِمْ، فيُضاعِفُ لهُمُ الحسناتِ (ويزِيدُهُم مِنْ فضْلِهِ) ،وهُو تعالى يرْزُقُ منْ يشاءُ بِغيْرِ حِسابٍ، وبِدُون تحْدِيدٍ فهُو الكرِيمُ الجوادُ [1] .
إذا أردتم التماس هذا النور .. نور الله .. فالنمسوه «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» .
وهذا الذي نقول به، هو أنسب من القول بأن هذا الجار والمجرور متعلق بمشكاة، على تقدير:
«اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ .. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» .
وهذا بعيد من حيث النظم، ثم بعيد من حيث المعنى. إذ أن نور الله هو نور الله، سواء في المساجد، أو في غيرها .. والذي ذهبنا إليه، هو المناسب للمقام .. إذ كان قوله تعالى: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ»
مشوّقا للنفوس أن يكون لها نصيبها من هذا النور، وأن تكون فيمن شاء الله هدايتهم إليه .. ومن بواعث هذا الشوق تجىء تساؤلات عن هذا النور، وكيف السبيل إليه، وبلوغ النفس حظها منه؟ ولا تكاد النفس تتلقّى هذه الخواطر المتسائلة، وهى بين يدى قوله تعالى: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» - حتى يلقاها الدليل الذي يأخذ بها إلى مواقع هذا النور:
«فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» - ففى هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يلتمس نور الله، حيث يتجلى الله سبحانه وتعالى على كل من يغشون هذه البيوت، ويذكرون الله فيها ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2709، بترقيم الشاملة آليا)