وإلى هذه الحقيقة تشير هذه الآيات الكثيرة في القرآن .. حيث يقول اللّه تبارك وتعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .. أو يقول: «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .. أو يقول: «إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ» .. فذلك هو الهدى بحقيقته الكبيرة ومعناه الواسع. هدى الإنسان إلى مكانه في هيكل هذا الوجود وتنسيق خطاه مع حركة هذا الوجود.
ولن يؤتي الجهد كامل ثماره إلا حين يستقيم القلب على هدى اللّه بمعناه وتستقيم حركة الفرد مع دورة الوجود ويطمئن الضمير إلى قدر اللّه الشامل الذي لا يكون في الوجود أمر إلا وفق مقتضاه.
ومن هذا البيان ينجلي أن هذا النص القرآني: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» .. أشمل وأوسع وأبعد مدى من أي حادث خاص يكون قد نزل فيه. وأنه يقرر كلية أساسية، أو الكلية الأساسية، في منهج الإسلام! [1]
ـــــــــ
قال تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُواْ أطِيعُواْ اللّه وأطِيعُواْ الرّسُول وأُوْلِي الأمْرِ مِنكُمْ فإِن تنازعْتُمْ فِي شيْءٍ فرُدُّوهُ إِلى اللّهِ والرّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُون بِاللّهِ والْيوْمِ الآخِرِ ذلِك خيْرٌ وأحْسنُ تأْوِيلًا} (59) سورة النساء
فِي هذِهِ الآيةِ يأمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِإِطاعتِهِ تعالى، وبِالعملِ بِكِتابِهِ، وبِإِطاعةِ رسُولِهِ، لأنّهُ يُبيِّنُ لِلْنّاسِ ما نزل إِليْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، ويُبلِّغُ عنِ اللهِ شرْع وأوامِرهُ، كما يأْمُرُ اللهُ بِإِطاعةِ أُوْلِي الأمْرِ، مِنْ حُكّامٍ وأُمراءٍ ورُؤساءٍ جُنْدٍ، مِمّنْ يرْجِعُ النّاسُ إليْهِمْ فِي الحاجاتِ، والمصالِحِ العامّةِ، فهؤُلاءِ إذا اتّفقُوا على أمْرٍ وجب أنْ يُطاعُوا فِيهِ، بِشرْطِ أنْ يكُونُوا أُمناء، وأنْ لا يُخالِفُوا أمْر اللهِ، ولا سُنّة نبِّيهِ التِي عُرِفتْ بِالتّواتُرِ، وأنْ يكُونُوا مُخْتارِين فِي بحْثِهِمْ فِي الأمْرِ، واتِّفاقِهِمْ عليْهِ غيْر مُكْرهِين عليهِ بِقُوّةِ أحدٍ أوْ نُفُوذِهِ
وكُلُّ ما اخْتلف فِيهِ المُسْلِمُون فمِن الواجِبِ ردُّهُ إلى كِتابِ اللهِ، وسُنّةِ رسُولِهِ، ومنْ لمْ يفْعلْ ذلِك، ويحْتكِمْ إلى كِتابِ اللهِ وسُنّة نبِيِّهِ، فليْس مُؤْمِنًا بِاللهِ ولا بِاليوْمِ الآخِرِ.
ومنْ يحْتكِم إلى شرْعِ اللهِ، وسُنّةِ رسُولِهِ، فذلِك خيْرٌ لهُ وأحْسنُ عاقِبةً ومآلًا (تأْوِيلًا) ،لأنّ الله تعالى لمْ يُشرِّعْ لِلنّاسِ إلاّ ما فِيهِ مصْلحتُهُمْ ومنْفعتُهُمْ، والاحْتِكامِ إلى الشّرْعِ يمْنعُ الاخْتِلاف المُؤدِّي إلى التّنازُعِ والضّلالِ. [2]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3637)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 552، بترقيم الشاملة آليا)