الخلق. وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة. وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين، ويصونها من التهجم والانتهاك ..
هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة، واشترى منها الأنفس والأموال، لتمضي مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالاته. قتال في سبيل اللّه لإعلاء كلمة اللّه وقتل لأعداء اللّه الذين يحادّون اللّه أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية، وبين الشريعة والطاغوت، وبين الهدى والضلال.
وليست الحياة لهوا ولعبا. وليست الحياة أكلا كما تأكل الأنعام ومتاعا. وليست الحياة سلامة ذليلة، وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة .. إنما الحياة هي هذه: كفاح في سبيل الحق، وجهاد في سبيل الخير، وانتصار لإعلاء كلمة اللّه، أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه .. ثم الجنة والرضوان ..
هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» ... وصدق اللّه. وصدق رسول اللّه .. [1]
ــــــــــــ
قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) } [آل عمران:137 - 140]
يُخاطِبُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بعْد مصابِهِمْ فِي وقْعةِ أُحُدٍ فيقُولُ لهُمْ: لقدْ جرى على أتْباعِ الأنْبِياءِ السّابِقِين مِن الأُممِ الغابِرةِ نحُوٌ مِمّا جرى لكُمْ يوْم أحُدٍ، فأُصِيبُوا وقُتِلُوا وهُزِمُوا .. ولكِنّ العاقِبة كانتْ لهُمْ، والدّائِرة كانتْ على الكافِرِين ... وهذِهِ هِي سُنّةُ اللهِ فِي خلْقِهِ أنّهُ ما التقى الإِيمانُ والشِّرْكُ إلاّ نصر اللهُ المُؤْمِنِين المُخْلِصِين، وأعْلى راية الإِيْمانِ، وهزم الشِّرْك وأهْلهُ، ونكّس أعْلامهُ. وأجْدرُ النّاسِ بِمعْرِفةِ هذِهِ الحقِيقةِ هُمُ المُؤْمِنُون فسِيرُوا يا أيُّها المُؤْمِنُون فِي الأرْضِ، وتأمّلُوا فِيما حلّ بِالأُممِ السّابِقةِ.
وما تقدّم هُو بيانٌ لِلنّاسِ كافّةً، وهُدًى وموْعِظةً لِلْمُتّقِين مِنْهُمْ خاصّةً، فالإِرْشادُ عامٌّ لِلنّاسِ، وحُجّةٌ على المُؤْمِنِ والكافِرِ، (وذلِك يدْحضُ ما قالهُ المُشْرِكُون: لوْ كان مُحمّدٌ رسُولًا حقًّا لما غُلِب فِي وقْعةِ أُحُدٍ) .فهذا البيانُ والهُدى يُرشِدانِ إلى أنّ سُنن اللهِ حاكِمةٌ على الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، كما هِي حاكِمةٌ على
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2336)