به القلوب. أما النصر فلم يكن إلا من عند اللّه ولا يكون .. هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا، حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلا ..
لقد كان حسب المسلمين أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية وأن يغالبوا الهزة الأولى التي أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعي، وأن يمضوا في طاعة أمر اللّه، واثقين بنصر اللّه .. كان حسبهم هذا لينتهي دورهم ويجيء دور القدرة التي تصرفهم وتدبرهم .. وما عدا هذا فكان بشارة مطمئنة، وتثبيتا للقلوب في مواجهة الخطر الواقعي .. وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند اللّه معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة. ثم يجيء النصر من عند اللّه وحده. حيث لا يملك النصر غيره. وهو «العزيز» القادر الغالب على أمره. وهو «الحكيم» الذي يحل كل أمر محله [1] ..
وهذا درس رباني مهم لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه؛ لكي ينزل نصره. ويبقى مشهد نبيه، وقد سقط رداؤه عن كتفه وهو مادٌّ يديه يستغيث بالله، يبقى هذا المشهد محفورًا بقلبه ووجدانه، يحاول تنفيذه في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه المواطن، حيث تناط به المسئولية وتلقى عليه أعباء القيادة. [2]
ـــــــــ
قال تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) } [آل عمران]
بعْد أنِ انْصرفتْ قُريْشٌ مِنْ ميْدانِ المعْركةِ يوْم أحُدٍ مُتّجِهةً إلى مكّة، ندِمتْ على الانْصِرافِ قبْل اسْتِئْصالِ شأفةِ المُسْلِمِين، والقضاءِ عليْهِمْ، ففكّرُوا فِي العوْدةِ إلى المدِينةِ.
وعلِم رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذلِك، فندب المُسْلِمِين لِلْخُرُوجِ وراء المُشْرِكِين لِيثْنِيهُمْ عنِ التّفْكِيرِ فِي العوْدةِ، وأمر بِألاّ يخْرُج معهُ إلاّ منْ شهِد أحُدًا، فتسارع النّاسُ إلى الخُرُوجِ معهُ على ما هُمْ عليهِ مِنْ جِراحٍ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2010)
(2) - السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (ص: 408)