وقدْ وعد اللهُ منْ أحْسن مِنْ هؤُلاءِ المُسْتجِيبِين لِلْرسُولِ - صلى الله عليه وسلم - واتّقى أجْرًا عظِيمًا.
وخافتْ قُريشٌ أنْ يجْمع رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أهْل المدِينةِ مِمّنْ لمْ يشْترِكُوا فِي المعْركةِ، ويخْرُج وراءهُمْ، فأرْسلُوا إليهِ بعْض ناقِلِي الأخْبارِ لِيُهوِّلُوا عليهِ، لِيكُفّ عنِ اللِّحاقِ بِهِمْ، وقال ناقِلُوا الأخْبار لِلْمُسْلِمِين: إنّ مُشْرِكِي قُريْشٍ (النّاس) قدْ حشدُوا لكُمْ، وجمعُوا قُواهُمْ، فاحْذرُوهُمْ، واخْشوْهُمْ، فلمْ يزِدْ هذا القوْلُ هؤُلاءِ المُؤْمِنِين - الذِين اسْتجابُوا لِلْرسُولِ مِنْ بعْدِ ما أصابهُمُ القرْحُ وخرجُوا مع رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُلبِّين دعْوتهُ، راغِبِين فِي نيْلِ رِضْوانِ ربِّهِمْ ونصْرِهِ - إلاّ إِيمانًا بِربِهِمْ، وثِقةً بِوعْدِهِ ونصْرِهِ وأجْرِهِ، وردُّوا على مُخاطِبِيِهِمْ قائِلِين: إِنّهُمْ يتوكّلُون على اللهِ، وهُو حسْبُهُمْ.
فلمّا توكّلُوا على اللهِ كفاهُمُ اللهُ ما أهمّهُمْ وأغمّهُمْ، وردّ عنْهُمْ بأس النّاسِ (الكافِرِين) ،فرجعُوا بِنِعْمةٍ مِن اللهِ لمْ يمْسسْهُمْ سُوْءٌ، وقدْ فازُوا بِرِضْوانِ اللهِ، وعظِيمِ فضْلِهِ، واللهُ واسِعُ الفضْلِ
(خرج المُسْلِمُون مع الرّسُولِ إلى موْقِعٍ يُعْرفُ بِحمْراءِ الأسدِ، وأرْسل إلى المُشْرِكِين رُسُلًا يُحذِّرُونهُمْ، فخافتْ قُريْشٌ وتابعتْ سيْرها نحْو مكّة) .
وكان أبُو سُفْيان قدْ واعد رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بدْرًا مِن العامِ القابِلِ، فخرج رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمُسْلِمِين إلى بدْرٍ فِي الموْعِدِ المُحدّدِ، وتخلّفتْ قُريْشٌ، فاشْترى رسُول اللهِ عِيْرًا مرّتْ بِهِمْ فِي الموْسِمِ، ثُمّ باعها فربِح، ووزّع الرِّبْح على أصْحابِهِ، فانْقلبُوا مِنْ غزْوةِ بدْرٍ الثّانِيةِ لمْ يمْسسْهُمْ سُوءٌ، ونالُوا رِضْوان اللهِ، وحصلُوا على فضْلِهِ فِي الرِّبْحِ. واللهُ عظِيمُ الفضْلِ على عِبادِهِ.
يُبيِّنُ اللهُ تعالى لِلْمُؤْمِنِين، أنّ الشّيْطان هُو الذِي يُخوِّفُكُمْ مِنْ أوْلِيائِهِ المُشْرِكِين، ويُوهِمُكُمْ أنّهُمْ ذوُو بأْسٍ وقُوّةٍ، وهُو الذِي قال لكُمْ إنّ النّاس قدْ جمعُوا لكُمْ فاخْشوْهُمْ، فلا تخافُوا أوْلِياء الشّيْطانِ، وتوكّلُوا على اللهِ، والْجؤُوا إِليهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين حقًّا، فإِنّهُ كافِيكُمْ إِيّاهُمْ، وناصِرُكُمْ عليْهِمْ. وخافُوهُ هُو فهُو القادِرُ على النّصْرِ وعلى الخُذْلانِ، وعلى الضّرِّ والنّفْعِ .. [1]
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ} [آل عمران:172] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ: الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ» فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ"صحيح البخارى [2] "
إنهم أولئك الذين دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الخروج معه كرة أخرى غداة المعركة المريرة.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 465، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (5/ 102) (4077)
[ش (استجابوا) أطاعوا الأمر وأجابوا النداء. (القرح) الجراح. / آل عمران 172 /. (إثرهم) خلفهم وعقبهم. (فانتدب) من قولهم ندبه لأمر فانتدب أي دعاه فأجاب]