إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق. وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى اللّه كله. ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها وتسمع توجيهاته وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها وحين اتخذت القرآن مهجورا - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها.
ولقد كان اللّه - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، حين نقضوا ميثاقهم مع اللّه، لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع اللّه، فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد، ناقض للعقد .. فلما غفلت عن هذا التحذير، وسارت في طريق غير الطريق، نزع اللّه منها قيادة البشرية وتركها هكذا ذيلا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها وحتى تستمسك بعهدها، وحتى توفي بعقدها. فيفي لها اللّه بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس .. وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة .. وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده ..
ولقد كان توجيه اللّه لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» .. والعفو عن قبائحهم إحسان، والصفح عن خيانتهم إحسان ..
ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان. فأمر اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة. ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها. وقد كان ... [1]
ـــــــــــــ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" [2] .
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ وَاسْتَمَرَّتْ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمَفْتُونُ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا عَدِمَ الْأُخْرَى، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْمُنَافِقِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ مِثْلَ"زَيْدٌ أَسَدٌ"،وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُخْتَصًّا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَرَفَ بِنُورِ الْوَحْيِ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَمَيَّزَ بَيْنَ مَنْ آمَنَ بِهِ صِدْقًا
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1240)
(2) - صحيح البخاري (1/ 16) (34) وصحيح مسلم (1/ 78) 106 - (58)
[ش (منافقا خالصا) قد استجمع صفات النفاق. (خصلة) صفة. (يدعها) يتركها ويخلص نفسه منها. (غدر) ترك الوفاء بالعهد. (خاصم) نازع وجادل. (فجر) مال عن الحق واحتال في رده]