الْمُطَّلِبْ، اللهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ»،قَالَ الْبَرَاءُ: «كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -» [1]
ــــــــــــ
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون اللّه فاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ويغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبكُمْ واللّهُ غفُورٌ رحِيمٌ (31) قُلْ أطِيعُوا اللّه والرّسُول فإِنْ تولّوْا فإِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْكافِرِين (32) } [آل عمران]
هذِهِ الآيةُ نزلتْ حِين دعا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كعْب بن الأشْرفِ ومنْ تابعهُ مِن اليهُودِ إلى الإِيمانِ، فقالوا: (نحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ) .فأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية، وفِيها يأمُرُ اللهُ نبيّهُ الكرِيم بِأنْ يقُول لهُمْ: منِ ادّعى حُبّ اللهِ دُون أن يتّبع شرْع مُحمّدٍ، فهُو غيْرُ صادِقٍ، فدِينُ اللهِ واحِدٌ، وشرْعُهُ واحِدٌ، والأدْيانُ يصدِّقُ بعْضُها بعْضًا ويُكمِّلُها. وجاء دِينُ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لِيخْتِم الأدْيان السّابِقة ويُكمِّلها، فلا يُمْكِنُ أنْ يدّعِي أحدٌ حُبّ اللهِ، وهُو يكْفُرُ بِشرْعِهِ وما أنْزلهُ على رسُولِه. ومنْ يتّبعْ شرْع مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ويُخْلِصْ فِي ذلِك يُحْبِبْهُ اللهُ، واتِّباعِ أمْرِهِ. واللهُ كثِيرُ الغُفْرانِ لِعِبادِهِ، عظِيمُ الرّحْمةِ بِهِمْ. [2]
ومما هو مكر بالله ما يدّعيه المدّعون على الله من اليهود أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، وهم في الوقت نفسه يعادون أولياء الله، ويشاقّون رسله، ويقتلون أنبياءه .. فكيف تصح لهم هذه الدعوى، وآخرها ينقض أولها؟
فإن المحبّ الحقيقي يحبّ كل من أحبّ من يحبّ، وإلّا فحبّه لمن أحبّ نزوة طارئة، أو دعوى باطلة.
والعداوة التي يضمرها اليهود للنبىّ، والتي تستعلن في كيدهم له ومكرهم به، لا تستقيم مع دعواهم بأنهم أحباء الله، فإن كانوا أحباء الله حقّا فليتّبعوا رسوله، وليستجيبوا لما يدعوهم إليه من كلمات ربّه .. إنهم لو فعلوا ذلك لصدقت دعواهم، ولأحبّهم الله حقّا، ولغفر لهم ذنوبهم، وما قطعوا من عمر طويل مع الشقاق والنفاق «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .. فإن أبوا إلا شقاقا ونفاقا، فهم على دعوى باطلة .. إنهم ليسوا أحبابا لله، بل هم أعداء محاربون له، كافرون بآياته وبرسله «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
(1) - صحيح مسلم (3/ 1401) 79 - (1776)
[ش (كأنها رجل من جراد) يعني كأنها قطعة من جراد قال في النهاية الرجل بالكسر الجراد الكثير
(فانكشفوا) أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها (إذا احمر البأس) احمرار البأس كناية عن شدة الحرب واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة أو لاستعار الحرب واشتعالها كاحمرار الجمر]
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 325، بترقيم الشاملة آليا)