فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا مجرد «نظرية» للمعرفة والجدل! أو لمجرد الاعتقاد السلبي! ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة وكان هذا النصر العملي فرقانا واقعيا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار
الذي أشار إليه قول اللّه تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه - من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بيته بالحق ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة ..
ولقد كان هذا كله فرقانا في منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم .. وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين!
وهكذا كان يوم بدر «يوم الفرقان يوم التقى الجمعان» بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة ..
«واللّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ» ..
وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء .. مثل لا يجادل فيه مجادل، ولا يماري فيه ممار .. مثل من الواقع المشهود، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة اللّه. وأن اللّه على كل شيء قدير" [1] "
ــــــــــــــ
قال تعالى: {وعد اللّهُ الّذِين آمنُوا مِنكُمْ وعمِلُوا الصّالِحاتِ ليسْتخْلِفنّهُم فِي الْأرْضِ كما اسْتخْلف الّذِين مِن قبْلِهِمْ وليُمكِّننّ لهُمْ دِينهُمُ الّذِي ارْتضى لهُم وليُبدِّلنّهُم مِّن بعْدِ خوْفِهِمْ أمْنًا يعْبُدُوننِي لا يُشْرِكُون بِي شيْئًا ومن كفر بعْد ذلِك فأُوْلئِك هُمُ الْفاسِقُون 55} النور
هذا وعْدٌ مِن اللهِ تعالى لِرسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأنّهُ سيجْعلُ مِنْ أُمّتِهِ خُلفاء فِي الأرْضِ، وأئِمّةً لِلنّاسِ، وأنّهُ سيُبدِّلُهُمْ بعْد خوْفِهِمْ مِن النّاس أمْنًا وحُكْمًا فِيهِمْ. وقدْ أمْضى المُسْلِمُون عشْر سِنِين فِي مكّة يدْعُون النّاس إِلى الإِسْلامِ سِرًّا، وهُمْ خائِفُون لا يُؤْمرون بِالقِتالِ، حتّى أُمِرُوا بالهِجْرةِ إِلى المدِينةِ، وأُمِرُوا بِالقِتالِ، فكانُوا خائِفِين يُمْسُون بالسِّلاحِ، ويُصْبِحُون بالسّلاحِ، فصبُروا على ذلِك ما شاء اللهُ. ثُمّ إِنّ رجُلًا مِن الصّحابةِ قال: يا رسُول اللهِ أبد الدّهْرِ نحْنُ خائِفُون هكذا؟ ما يأتِي عليْنا يوْمٌ نأمنُ فِيهِ، ونضعُ السِّلاح؟ فقال الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم:لنْ تصْبِروا إِلاّ يسِيرًا حتّى يجْلِس الرّجُلُ مِنْكُم فِي الملأ العظِيمِ مُحْتبيًا ليْستْ فِيهِ حدِيدةٌ).وأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2057)