فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 849

وفِي هذِهِ الآيةِ يقُولُ تعالى إِنّهُ سيسْتخْلِفُ المُؤْمِنِين فِي الأرْضِ، كما اسْتخلف المُؤْمِنِين مِنْ قبْلِهِم، وسيكُونُ لهُم الأمْرُ. وحقُّ اللهِ على العِبادِ أنْ يعْبُدُوهُ وحْدهُ لا شرِيك لهُ، ومنْ خرج بعْد ذلِك عنْ طاعةِ ربِّهِ، وجحد نِعمهُ عليْهِ، فقدْ خرج عنْ أمْرِ ربِّهِ وكفى بِذلِك ذنْبًا عظِيمًا [1] ..

عنْ أُبيِّ بْنِ كعْبٍ رضِي اللّهُ عنْهُ، قال:"لمّا قدِم رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابُهُ الْمدِينة وآوتْهُمُ الأنْصارُ، رمتْهُمُ الْعربُ عنْ قوْسٍ واحِدةٍ كانُوا لا يبِيتُون إِلاّ بِالسِّلاحِ ولا يُصْبِحُون إِلاّ فِيهِ، فقالُوا: تروْن أنّا نعِيشُ حتّى نبِيت آمِنيْنِ مُطْمئِنّيْنِ لا نخافُ إِلاّ اللّه؟ فنزلتْ: وعد اللّهُ الّذِين آمنُوا مِنْكُمْ وعمِلُوا الصّالِحاتِ ليسْتخْلِفنّهُمْ فِي الأرْضِ كما اسْتخْلف الّذِين مِنْ قبْلِهِمْ وليُمكِّننّ لهُمْ دِينهُمُ الّذِي ارْتضى لهُمْ وليُبدِّلنّهُمْ مِنْ بعْدِ خوْفِهِمْ إِلى ومنْ كفر بعْد ذلِك"المستدرك [2] .

ذلك وعد اللّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا .. ذلك وعد اللّه. ووعد اللّه حق. ووعد اللّه واقع. ولن يخلف اللّه وعده .. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟

إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد اللّه حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى اللّه لا يبتغي به صاحبه إلا وجه اللّه وهي طاعة للّه واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من عند اللّه.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا. ويتوجه بهذا كله إلى اللّه .. يتمثل هذا في قول اللّه سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن: «يعْبُدُوننِي لا يُشْرِكُون بِي شيْئًا» والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير اللّه بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك باللّه. ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر اللّه به، ويدخل فيما أمر اللّه به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض .. أمانة الاستخلاف .. فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم .. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء وتحقيق المنهج الذي رسمه اللّه للبشرية كي تسير عليه وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها اللّه.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2728، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - (ج 3 / ص 169) برقم (3512) وهو حديث حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت