فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 849

قُلْنَا قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ بِأَيْدِينَا إِنْ ظَهَرَ نِفَاقُكُمْ، لِأَنَّ نِفَاقَهُمْ إِذَا ظَهَرَ كَانُوا كَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ فِي كَوْنِهِمْ حَرْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ: فَتَرَبَّصُوا وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّهْدِيدُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ والله أعلم. [1]

واللّه قد كتب للمؤمنين النصر، ووعدهم به في النهاية، فمهما يصبهم من شدة، ومهما يلاقوا من ابتلاء، فهو إعداد للنصر الموعود، ليناله المؤمنون عن بينة، وبعد تمحيص، وبوسائله التي اقتضتها سنة اللّه، نصرا عزيزا لا رخيصا، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء، صابرة على كل تضحية. واللّه هو الناصر وهو المعين: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..

والاعتقاد بقدر اللّه، والتوكل الكامل على اللّه، لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق. فذلك أمر اللّه الصريح: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... » وما يتكل على اللّه حق الاتكال من لا ينفذ أمر اللّه، ومن لا يأخذ بالأسباب، ومن لا يدرك سنة اللّه الجارية التي لا تحابي أحدا، ولا تراعي خاطر إنسان! على أن المؤمن أمره كله خير. سواء نال النصر أو نال الشهادة. والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين: «قُلْ: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا. فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ» ..

فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين؟ إنها الحسنى على كل حال. النصر الذي تعلو به كلمة اللّه، فهو جزاؤهم في هذه الأرض، أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه. وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين؟ إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين .. «فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ» والعاقبة معروفة .. والعاقبة للمؤمنين. [2] .

ـــــــــ

81 -البداية بقتال الأقربين من الكفار والفجار:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123]

يُبيِّنُ اللهُ تعالى لِلْمُؤْمِنِين الطّرِيق الأمْثل فِي قِتالِ الكُفّارِ، وذلِك بِأنْ يبْدؤُوا بِقِتالِ الأقْربِ فالأقْربِ مِنْهُمْ إِلى أرْضِ الإِسْلامِ، وبِذلِك لا يبْقى مجالٌ لأنْ يُؤْخذ المُسْلِمُون مِنْ خلْفِهِمْ مِنْ قِبلِ أعْدائِهِمْ، إِذا تركُوا منْ هُمْ قُرْبهُمْ وذهبُوا لِيُقاتِلُوا منْ خلْف أعْدائِهِمْ، ولِهذا بدأ الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - بِقِتالِ المُشْرِكِين فِي جزِيرةِ العربِ، ولمّا انْتهى مِن العربِ شرع فِي قِتالِ أهْلِ الكِتابِ فتجهّز لِغزْوِ الرُّومِ، لأنّهُمْ أهْلُ الكِتابِ

(1) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (16/ 67)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2276)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت