فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 849

وهكذا كان المُسْلِمُون كُلّما علوْا أُمّةً انْتقلُوا إِلى منْ هُمْ بعْدهُمْ، ثُمّ الذِين يلُونهُمْ مِن العُتاةِ الفُجّارِ وهكذا.

ويأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِين بِأنْ يكُونُوا أشِدّاء فِي قِتالِ الكُفّارِ، وأنْ يُظْهِرُوا لهُمْ غِلْظةً وشِدّةً وخُشُونةً فِي القِتالِ، لِيُدْخِلُوا الوهن إِلى نُفُوسِهِمْ، ونُفُوسِ منْ خلْفهُمْ. ومِنْ صِفاتِ المُؤْمِنِين أنْ يكُونُوا أشِدّاء على الكُفّارِ، رُحماء بيْنهُمْ. ويُخْبِرُ اللهُ المُؤْمِنِين بِأنّهُ معهُمْ يُثبِّتُهُمْ وينْصُرُهُمْ إِذا اتّقوْهُ وأطاعُوهُ. [1]

اعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، ثُمَّ إِنَّهَا صَارَتْ منسوخة بقوله: قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التَّوْبَةِ:36] وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا هَذَا النَّسْخَ وَقَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أَرْشَدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْبَابِ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَصْوَبِ الْأَصْلَحِ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئُوا مِنَ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، مُنْتَقِلًا إِلَى الْأَبْعَدِ فَالْأَبْعَدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْرَ الدَّعْوَةِ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ قَالَ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ:214] وَأَمْرَ الْغَزَوَاتِ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ/ حَارَبَ قَوْمَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُمْ إِلَى غَزْوِ سَائِرِ الْعَرَبِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُمْ إِلَى غَزْوِ الشَّامِ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِ الشَّامِ دَخَلُوا الْعِرَاقَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْغَزْوِ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْقَرِيبَةِ أَوْلَى لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مُقَابَلَةَ الْكُلِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً مُتَعَذِّرَةٌ، وَلَمَّا تَسَاوَى الْكُلُّ فِي وُجُوبِ الْقِتَالِ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُحَارَبَةِ وَامْتَنَعَ الْجَمْعُ، وَجَبَ التَّرْجِيحُ، وَالْقُرْبُ مُرَجِّحٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي الدَّعْوَةِ، وَكَمَا فِي سَائِرِ الْمُهِمَّاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الِابْتِدَاءَ بِالْحَاضِرِ أَوْلَى مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ لِهَذَا الْمُهِمِّ، فَوَجَبَ الِابْتِدَاءُ بِالْأَقْرَبِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْأَقْرَبِ أَوْلَى لِأَنَّ النَّفَقَاتِ فِيهِ أَقَلُّ، وَالْحَاجَةَ إِلَى الدَّوَابِّ وَالْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ أَقَلُّ. الثَّالِثُ:

أَنَّ الْفِرْقَةَ الْمُجَاهِدَةَ إِذَا تَجَاوَزُوا مِنَ الْأَقْرَبِ إِلَى الْأَبْعَدِ فَقَدْ عَرَّضُوا الذَّرَارِيَّ لِلْفِتْنَةِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُجَاوِرِينَ لِدَارِ الْإِسْلَامِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَقْوِيَاءَ أَوْ ضُعَفَاءَ، فَإِنْ كَانُوا أَقْوِيَاءَ كَانَ تَعَرُّضُهُمْ لِدَارِ الْإِسْلَامِ أَشَدَّ وَأَكْثَرَ مِنْ تَعَرُّضِ الْكُفَّارِ الْمُتَبَاعِدِينَ، وَالشَّرُّ الْأَقْوَى الْأَكْثَرُ أَوْلَى بِالدَّفْعِ، وَإِنْ كَانُوا ضُعَفَاءَ كَانَ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَسْهَلَ، وَحُصُولُ عِزِّ الْإِسْلَامِ لِسَبَبِ اِنْكِسَارِهِمْ أَقْرَبَ وَأَيْسَرَ، فَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِهِمْ أَوْلَى. الْخَامِسُ: أَنَّ وُقُوفَ الْإِنْسَانِ عَلَى حَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ أَسْهَلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى حَالِ مَنْ يَبْعُدُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اقْتِدَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُقَاتَلَةِ الْأَقْرَبِينَ أَسْهَلَ لِعِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ وَبِمَقَادِيرِ أَسْلِحَتِهِمْ وَعَدَدِ عَسَاكِرِهِمْ. السَّادِسُ: أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَاسِعَةٌ، فَإِذَا اشْتَغَلَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِقِتَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَانَتِ الْمُؤْنَةُ أَسْهَلَ، وَحُصُولُ الْمَقْصُودِ أَيْسَرَ. السَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَيْسَرَ حُصُولًا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ، وَالْقُرْبُ سَبَبُ السُّهُولَةِ، فَوَجَبَ الِابْتِدَاءُ بِالْأَقْرَبِ.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1359، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت