الثَّامِنُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ابْتَدَأَ فِي الدَّعْوَةِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَفِي الْغَزْوِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَفِي جَمِيعِ الْمُهِمَّاتِ كَذَلِكَ. فَإِنَّ
الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمَائِدَةِ وَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْجَوَانِبِ الْبَعِيدَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَائِدَةِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ»
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَاجِبٌ.
فَإِنْ قِيلَ: رُبَّمَا كَانَ التَّخَطِّي مِنَ الْأَقْرَبِ إِلَى الْأَبْعَدِ أَصْلَحَ، لِأَنَّ الْأَبْعَدَ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاوَزَ الْأَقْرَبَ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُ لَهُ وَزْنًا.
قُلْنَا: ذَاكَ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ، وَمَا ذَكَرْنَا احْتِمَالَاتٍ كَثِيرَةً، وَمَصَالِحُ الدُّنْيَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَرْجِيحِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مَصْلَحَةً عَلَى مَا هُوَ الْأَقَلُّ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إِنَّمَا قُلْنَاهُ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُقَاتَلَةِ الْأَقْرَبِ وَالْأَبْعَدِ، أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ، فَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْأَوْلَى هُوَ الْجَمْعُ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الْبَتَّةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً قَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، فَتْحُ الْغَيْنِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا.
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» :الْغِلْظَةُ بِالْكَسْرِ الشِّدَّةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْغِلْظَةُ كَالضَّغْطَةِ، وَالْغِلْظَةُ كَالسُّخْطَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التَّوْبَةِ:73] وَقَوْلُهُ: وَلا تَهِنُوا [آلِ عِمْرَانَ:139] ، [النساء:104] وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [الْمَائِدَةِ:54] وَقَوْلِهِ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الْفَتْحِ:29] وَلِلْمُفَسِّرِينَ عِبَارَاتٌ فِي تَفْسِيرِ الْغِلْظَةِ، قِيلَ شَجَاعَةً وَقِيلَ شِدَّةً وَقِيلَ غَيْظًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغِلْظَةَ ضِدُّ الرِّقَّةِ، وَهِيَ الشَّدَّةُ فِي إِحْلَالِ النِّقْمَةِ، وَالْفَائِدَةُ فِيهَا أَنَّهَا أَقْوَى تَأْثِيرًا فِي الزَّجْرِ وَالْمَنْعِ عَنِ الْقَبِيحِ، ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَكُونُ مُطَّرِدًا، بَلْ قَدْ يَحْتَاجُ تَارَةً إِلَى الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَأُخْرَى إِلَى الْعُنْفِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغِلْظَةِ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ يُنَفِّرُ وَيُوجِبُ تَفَرُّقَ الْقَوْمِ، فَقَوْلُهُ: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يَدُلُّ عَلَى تَقْلِيلِ الْغِلْظَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَوْ فَتَّشُوا عَلَى أَخْلَاقِكُمْ وَطَبَائِعِكُمْ لَوَجَدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً، وَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَنْ أَكْثَرُ أَحْوَالِهِ الرَّحْمَةُ وَالرَّأْفَةُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ غِلْظَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْغِلْظَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ. وَذَلِكَ إِمَّا بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْبَيِّنَةِ، وَإِمَّا بِالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ هَذَا التَّغْلِيظُ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُؤَاكَلَةِ فَلَا.
ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ إِقْدَامُهُ عَلَى الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ بِسَبَبِ تَقْوَى اللَّهِ لَا بِسَبَبِ طَلَبِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَإِذَا رَآهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَحْجَمَ عَنْ قِتَالِهِ، وإذا رآه مال إلى قبوله الْجِزْيَةِ تَرَكَهُ، وَإِذَا كَثُرَ الْعَدُوُّ أَخَذَ الْغَنَائِمَ على وفق حكم الله تعالى. [1]
(1) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (16/ 172)