وحسب الإسلام أنه لا يكرههم على اعتناق عقيدته. وأنه يحافظ على حياتهم وأموالهم ودمائهم وأنه يمتعهم بخير الوطن الإسلامي بلا تمييز بينهم وبين أهل الإسلام وأنه يدعهم يتحاكمون إلى شريعتهم في غير ما يتعلق بمسائل النظام العام.
إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفيه جهارا نهارا في العقيدة .. ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون الإسلام كلمة باللسان تكذبها الأفعال. لا يتسامح مع من يقولون: إنهم يوحدون اللّه ويشهدون أن لا إله إلا اللّه. ثم يعترفون لغير اللّه بخاصية من خصائص الألوهية، كالحاكمية والتشريع للناس فيصم أهل الكتاب بأنهم مشركون، لأنهم اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه والمسيح ابن مريم .. لا لأنهم عبدوهم. ولكن لأنهم أحلوا لهم الحلال، وحرموا عليهم الحرام فاتبعوهم! ولا يتسامح هذا التسامح في وصف جماعة من المنافقين بأنهم مؤمنون. لأنهم شهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه. ثم بقوا في دار الكفر، يناصرون أعداء المسلمين!
ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا. إنما هو تميع. والإسلام عقيدة التسامح. ولكنه ليس عقيدة «التميع» .
إنه تصور جاد. ونظام جاد. والجد لا ينافي التسامح. ولكنه ينافي التميع.
وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى، بيان، وبلاغ .. [1]
ـــــــــ
الظلم ليس سببًا من أسباب الهزيمة فحسب، بل هو سبب من أسباب هلاك الأمم وسقوط الدول، وتغير الأحوال، قال تعالى: {ولقدْ أهْلكْنا الْقُرُون مِن قبْلِكُمْ لمّا ظلمُواْ وجاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبيِّناتِ وما كانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كذلِك نجْزِي الْقوْم الْمُجْرِمِين} (13) سورة يونس
يُخْبِرُ اللهُ تعالى أهْل مكّة بِما أنْزلهُ مِن العذابِ فِي الأقْوامِ السّابِقةِ (القُرُونِ) الذِين كذّبُوا رُسُلهُ فِيما جاؤُوهُمْ بِهِ مِن البيِّناتِ الدّالّةِ على صِدْقِهِمْ، وظلمُوا أنْفُسهُمْ، وكفرُوا بِربِّهِمْ، فأهْلكهُمُ اللهُ لأنّهُمْ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لوْ تركهُمُ اللهُ، فاعْتبِرُوا يا كُفّار قُريْشٍ، فكما أهْلك اللهُ منْ قبْلكُمْ، كذلِك يفْعلُ اللهُ بِالمُجْرِمِين مِنْكُمْ .. [2]
هذا تهديد أيضا ووعيد للكافرين والضالين، الذين وقفوا من الدعوة النبوية هذا الموقف المتصدّى لها، أو الحائد عنها .. فلقد أخذ الله المكذبين الضالين من الأمم قبلهم بالبأساء والضرّاء حين عتوا عن رسل ربّهم، وكذّبوا بهم .. وذلك هو الجزاء الذي يجزى به الظالمون .. لا جزاء لهم غير أن يؤخذوا بنقم الله
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1084)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1378، بترقيم الشاملة آليا)