ويلقوا في جهنّم خالدين فيها .. وها أنتم أولاء، أيها المشركون، قد خلفتم هؤلاء الأقوام، وورثتم ديارهم، وسكنتم في مساكنهم .. وقد جاءكم رسول كريم من عند الله، وقد عرفتم عاقبة الظالمين المكذبين برسل الله .. فماذا يكون منكم مع رسولكم هذا؟ إن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية .. إنه يرى ما تعملون، وسيجازيكم على أعمالكم ويأخذكم بها .. وقوله تعالى: «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» جملة حالية تكشف عن واقع القوم الذين ظلموا، وأنهم قد ظلموا وكفروا في حال كان رسل الله فيها بينهم، يدعونهم إلى الإيمان، ويدلّونهم على الهدى. وقوله تعالى: «وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» جملة حالية كذلك، وصاحب الحال هو ضمير الذين ظلموا في قوله تعالى: «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» .. وهذه الحال تكشف عما في قلوب الضالين من زيغ وضلال، وأنهم ما كانوا ليؤمنوا قبل مجىء الرسل إليهم بالبينات أو بعد مجيئهم .. ولكن الله سبحانه أرسل رسله إليهم، ليقيم الحجة عليهم، وليقع بهم عذابه، بعد أن تأتيهم آياته على يد رسله، كما يقول سبحانه: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (15:الإسراء) . [1]
لقد انتهى بهم الإسراف وتجاوز الحد والظلم - وهو الشرك - إلى الهلاك. وهذه مصارعهم كانوا يرون بقيتها في الجزيرة العربية في مساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط .. وتلك القرون. جاءتهم رسلهم بالبينات كما جاءكم رسولكم: «وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» .. لأنهم لم يسلكوا طريق الإيمان، وسلكوا طريق الطغيان فأبعدوا فيها، فلم يعودوا مهيئين للإيمان. فلقوا جزاء المجرمين .. «كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ» .. [2] .
قال ابن تيمية رحمه الله:"وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [3] ."
فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه. وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنى وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه
(1) - التفسير القرآني للقرآن (6/ 969)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2407)
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (2/ 200) (455) صحيح