فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 849

فهذا هو المصير المحتوم: عذاب أليم. لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة. فهو متوقع هنا وهناك. وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور. فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتا مسموما، توطئة لهلاكها ..

وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين. ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك! حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام! وذكر الكفر بآيات اللّه مصحوبا بقتل النبيين بغير حق - وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق - وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس - أي الذين يأمرون باتباع منهج اللّه القائم بالقسط المحقق وحده للقسط ..

ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجها لليهود، فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت! ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك. فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة الدولة الرومانية المسيحية - بما فيهم من جاهروا بتوحيد اللّه تعالى وبشرية المسيح عليه السلام - وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط .. كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع .. وكثير ما هم في كل زمان ..

ويحسن أن نتذكر دائما ماذا يعني القرآن بوصف «الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ» .. فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر. إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية، وقصر العبودية عليها. وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين .. فمن جعل لغير اللّه شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته. ولو قالها ألف مرة باللسان! وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام .. [1]

ـــــــــــــ

قال تعالى: {ولقدْ صدقكُمُ اللّهُ وعْدهُ إِذْ تحُسُّونهُمْ بِإِذْنِهِ حتّى إِذا فشِلْتُمْ وتنازعْتُمْ فِي الْأمْرِ وعصيْتُمْ مِنْ بعْدِ ما أراكُمْ ما تُحِبُّون مِنْكُمْ منْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ منْ يُرِيدُ الْآخِرة ثُمّ صرفكُمْ عنْهُمْ لِيبْتلِيكُمْ ولقدْ عفا عنْكُمْ واللّهُ ذُو فضْلٍ على الْمُؤْمِنِين (152) إِذْ تُصْعِدُون ولا تلْوُون على أحدٍ والرّسُولُ يدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فأثابكُمْ غمًّا بِغمٍّ لِكيْلا تحْزنُوا على ما فاتكُمْ ولا ما أصابكُمْ واللّهُ خبِيرٌ بِما تعْملُون (153) } [آل عمران/152،153]

لمّا رجع النّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُون إلى المدِينةِ بعْد معْركةِ أحُدٍ قال أُناسٌ مِنْ أصْحابِ النّبِيِّ: مِنْ أيْن أصابنا هذا وقدْ وعدنا اللهُ تعالى النّصْر؟ فأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية وفِيها يقُولُ لِلْمُؤْمِنِين: إِنّهُ صدقكُمْ ما وعدكُمْ بِهِ مِنْ نصْر، فكُنْتُمْ تقْتُلُونهُمْ قتْلًا ذرِيعًا بِإذْنِ اللهِ، وسلّطكُمْ عليهِمْ، حتّى إذا أصابكُمُ الضّعْفُ

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 646)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت