فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 849

والفشلُ، وعصيْتُمْ أمْر الرّسُولِ، وتنازعْتُمْ فِي الأمْرِ، (وهُو ما وقع لِلرُّماةِ الذِين أمرهُمُ الرّسُولُ أنْ يلْزمُوا مواقِعهُمْ فتخلّوا عنْها) ،وكان اللهُ قدْ أراكُمُ الظّفر، وهُو ما تُحِبُّونهُ، فكان مِنْكُمْ منْ يُرِيدُ الدُّنيا، ويطْمعُ فِي المغْنمِ، حِين رأوْا هزِيمة المُشْرِكِين، فتركُوا مواقِعهُمْ على الجبلِ، ومِنْكُمْ منْ كان يُرِيدُ الآخِرة فِي قِتالِهِ المُشْرِكِين لا يلْتفِتُ إلى المغْنمِ، فثبت مكانهُ وقاتل، ثُمّ أدال اللهُ المُشْرِكِين عليكُمْ، وجعل لهُمُ الغلبة عليْكُمْ لِيخْتبِركُمْ، ويمْتحِن ثباتكُمْ على الإِيمانِ، وقدْ غفر اللهُ لكُمْ ذلِك الفِعْل، وهُو عِصْيانُ أمْرِ الرّسُولِ، والهربُ مِن المعْركةِ، ومحا أثرهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ، حِينما أظْهرْتُمُ النّدم، ورجعْتُمْ إلى اللهِ، حتّى صِرْتُمْ وكأنّكُمْ لمْ تفُشلُوا. ولمْ يسْمحِ اللهُ باسْتِئْصالِكُمْ لأنّهُ ذُو فضْلٍ على المُؤْمِنِين.

فقدْ صرفكُمُ اللهُ عنِ المُشْرِكِين فأخذْتُمْ فِي الهربِ مِنْ أعْدائِكُمْ فِي الجِبالِ، لا تلْتفِتُون إلى أحدٍ مِن الدهشِ والخوْفِ، وقدْ خلّفْتُمُ الرّسُول وراءكُمْ وهُو يدْعُوكُمْ إلى العوْدةِ إلى القِتالِ، ويقُولُ: هلُمّ عِباد اللهِ أنا رسُولُ اللهِ، منْ يكِرُّ فلهُ الجنّةُ، فجزاكُمُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم - لِفِرارِكُمْ، بِغمٍّ يمْلأُ نُفُوسكُمْ على ما كان مِنْكُمْ، وعلى ترْكِكُمْ رسُول اللهِ يُصِيبُهُ ما أصابهُ، وهُو ثابِتٌ دُونكُمْ، وذلِك لِكيْلا تهْتمُّوا وتحْفلُوا بِشيءٍ فاتكُمْ، ولا بِأذًى أصابكُمْ، ولِتمْرُنُوا على تجرُّعِ الغُمُومِ، واحْتِمالِ الشّدائِدِ، إذْ كان ما أصاب النّبِيِّ، وما لحِق بِنُفُوسِكُمْ مِن النّدم، وهُو أكْبرُ عِنْدكُمْ مِنْ كُلِّ شيءٍ: أكْبرُ مِن الجِراحِ والقتْلِ وضياعِ المغْنمِ. واللهُ خبِيرٌ بِأعْمالِكُمْ ومقاصِدِكُمْ، وقادِرٌ على مُجازاتِكُمْ عليْها. [1]

فى أولى الآيات التي استفتح الله بها ذكر تلك المعركة- معركة أحد- جاء قوله تعالى: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» .. وكان هذا وعدا من الله المؤمنين بالمدد العلوىّ، الذي يحمل معه النصر لهم. وقد جاء هذا الوعد مشروطا وأنه لن يحققه الله لهم إلا إذا وفوا بهذا الشرط، وهو أن يصبروا ويتقوا ..

وقد صبر المسلمون في أول القتال، وأعطوا أنفسهم كلها للمعركة ..

فصدقهم الله وعده، وأراهم بشائر النصر .. فإنه منذ الساعات الأولى من القتال استولى المسلمون على زمام المعركة، وبدأت طلائع بدر تطل عليهم، فقتلوا مقتلة عظيمة في المشركين، وأدخلوا في صفوفهم الخلل والاضطراب، حتى همّوا بالهزيمة والفرار، وأخلوا أيديهم مما معهم من متاع .. وإذ ذاك امتدت أبصار كثير من المسلمين إلى هذا المتاع الذي تخلّى عنه أهله، وكان الأولى بهم أن يلتفتوا إلى رءوس المشركين أولا، فيزيلوها عن مكانها، فهذا هو الأمر الذي ندبهم الله له، وانتظموا في سبيل المجاهدين من أجله!!

وإذن فقد تخلّى المسلمون عن الشرط الذي اشترطه الله عليهم ليمنحهم نصره .. فكان أن تخلّى عنهم النصر، واستقبلتهم الهزيمة .. !!

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 445، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت