فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 849

وفى قوله تعالى: «إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» إشارة إلى ما فعل المسلمون بالمشركين أول الأمر، وأنهم حصدوهم حصدا .. فالحسّ معناه: القتل الذّريع الكثير ..

وقوله تعالى: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ» يشير إلى ما كان من جماعة الرّماة التي جعلها الرسول الكريم من وراء جيش المسلمين، تحمى ظهورهم من أن يأخذهم كمين من العدو على غرّة، وقد وصّى النبىّ هؤلاء الرماة أن يلزموا أماكنهم، وألا يتحولوا عنها بحال أبدا، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا.

ولكن الذي كان من الرماة غير هذا .. فإنهم ما كادوا يرون الهزيمة في المشركين، ويرون الأسلاب والغنائم وقد تخلّى عنها أصحابها، حتى قال قائل منهم: ما موقفنا هنا، وقد ولّى المشركون وانهزموا؟ وقال آخرون: إن الرسول لم يلزمنا أن نكون حيث نحن إلا لنحمى ظهر المسلمين من العدو .. فأين هذا العدوّ؟ وقال رئيس الجماعة، وهو عبد الله بن جبير: «يا قوم .. الزموا أماكنكم كما أمرنا رسول الله، ولا تتحولوا عنها .. » فأبى عليه كثيرون، وتركوه في نفر من أصحابه .. وما هى إلا لحظات حتى رأى خالد بن الوليد،- وكان على فرسان المشركين- رأى موقف الرماة يكاد يكون خلوا فاستدار إليهم بمن معه من فرسان، فاستقبله عبد الله بن جبير، ومن معه، مقاتلين، حتى استشهدوا جميعا، رحمهم الله.

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» .وفى قوله تعالى: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ» إشارة إلى أن تحوّل المعركة من جانب المسلمين إلى المشركين كان عن حكمة أرادها الله، وهى أن يبتلى المؤمنين بهذا البلاء، وأن يضعهم أمام تجربة يواجهون فيها الشدائد والمحن، ليروا ما عندهم من صبر واحتمال، وليسدّوا الخلل الذي يجدونه في أنفسهم، استعدادا للمعارك المقبلة بينهم وبين المشركين.

وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ» إشارة أخرى إلى أن ما كان من المسلمين من تحول عن القتال، وانصراف إلى الغنائم، وإن كان مما كسبته أيديهم- قد عفا الله عنه، وتجاوز عن مقترفيه، لأنهم كانوا مقهورين تحت إرادة غالبة لله، في هذا الذي كان منهم، ليكون لهم فيه درس نافع في لقاء المشركين بعد هذا .. وفى توكيد فعل العفو باللام الموطئة للقسم، وبحرف التحقيق قد- «ولقد» - إظهار لسعة رحمة الله، وتمام فضله على عباده، المجاهدين في سبيله «وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» يغفر لهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويعيدهم إليه إذا بعدت الطريق بهم عنه. [1]

أي: {ولقد صدقكم الله وعده} بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور {وتنازعتم في الأمر} الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في

(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 612)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت