ما أنْزلهُ اللهُ إليْهِمْ، لأنّ شرِيعتك ناسِخةٌ لِشرِيعتِهِمْ، ولا تتّبِع أهْواءهُمْ ورغباتِهِمْ فِي الحُكْمِ لهُمْ بِما يسْهُلُ عليْهِمْ، ويخفُّ احْتِمالُهُ.
ثُمّ يذْكُرُ اللهُ تعالى أنّهُ جعل لِكُلِّ أمّةٍ مِن النّاسِ شرِيعةً أوْجب عليهْمِ إقامة أحْكامِها، ومِنْهاجًِا وطرِيقًا فرض عليهِمْ سُلُوكهُ لِتزْكِيةِ نُفُوسِهِمْ (فأصْلُ الدِّينِ واحِدٌ، ولكِنّ الشّرائِع العملِيّة تخْتلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ البشرِ، وطِباعِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ) .
ولوْ شاء اللهُ أنْ يجْعل النّاس أمّةً واحدةً، ذات شرِيعةٍ واحِدةٍ ومِنْهاجٍ واحِدٍ، يسِيرُون عليْهِ، لفعل، ولكِنّهُ تعالى لمْ يشأْ، لِيخْتبِرهُمْ فِيما شرع لهُمْ، ولِيُثِيبهُمْ على طاعتِهِ، ويُعاقِبهُمْ على معْصِيتِهِ.
ويحُثُّ اللهُ تعالى النّاس على المُبادرةِ والإِسْراعِ إلى طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ شرْعِهِ الذِي جعلهُ ناسِخًا ما قبْلهُ مِن الشرائِعِ، ويُخْبِرُهُمْ أنّ إليهِ مرْجِعهُمْ ومصِيرهُمْ يوْم القِيامةِ، فيُخْبِرُهُمْ بِما اخْتلفُوا فِيهِ مِن الحقِّ، ويجْزِي كُلّ عامِلٍ بِعملِهِ.
قال بعْضُ رُؤساءِ اليهُودِ لِبعْضٍ: اذْهبُوا إلى مُحمّدٍ لعلّنا نفْتِنُهُ عنْ دِينِهِ. فأتوْهُ فقالُوا: يا مُحمّدُ إنّك عرفْت أنّا أحْبارُ يهُود وأشْرافُهُمْ وسادتُهُمْ، وإِنّا إنِ اتّبعنا يهُودُ ولمْ يحالِفُونا، وإِنّ بيْننا وبيْن قوْمِنا خُصُومةً، فنُخاصِمُهُمْ إليك فتقْضِي لنا عليْهِمْ، ونُؤْمِنُ لك ونُصدِّقُك. فأبى الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - ذلِك وأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية فِيهِمْ.
وفِي هذِهِ الآيةِ يُؤكِّدُ اللهُ تعالى على ما أمر بِهِ رسُولهُ مِن الحُكْمِ بيْن أهْلِ الكِتابِ بِما أنْزل اللهُ إليْهِ فِي القُرْآنِ، ويُحذِّرُهُ مِنْ أنْ يفْتِنهُ اليهُودُ، ويصْرِفُوهُ عنِ الحقِّ، ويأمُرُهُ بِألاّ يغْترّ بِهِمْ، فهُمْ كذبةٌ كفرةٌ. ثٌمّ يقُولُ تعالى لِنبِيِّهِ: فإنْ أعْرضُوا عنْ حُكْمِك بعْد تحاكُمِهِمْ إليْك، فاعْلمْ أنّ ذلِك كائِنٌ عنْ إِرادةِ اللهِ، ومشِيئتِهِ، وحِكْمتِهِ فِيهِمْ، أنْ يصْرِفهُمْ عنِ الهُدى لِيُعذِّبهُمْ بِبعْضِ ذُنُوبِهِمْ فِي الحياةِ الدُّنْيا قبْل الآخِرةِ، وإنّ أكْثر النّاسِ خارِجُون عنْ طاعةِ اللهِ، مُخالِفُون لِلْحقِّ.
أيتولّوْن عنْ حُكْمِك بِما أنْزل اللهُ؟ فهلْ يُرِيدُون حُكْمًا كحُكْمِ الجاهِلِيّةِ المبْنِي على التحيُّزِ والهوى، وترْجِيحِ جانِبِ القويِّ على الضّعِيفِ؟ ومنْ أحْسنُ مِن اللهِ حُكْمًا، ومنْ أعْدلُ مِنْهُ فصْلًا؟ لِمنْ عقل شرْع اللهِ وآمن بِهِ؟ [1]
لقد جاء كل دين من عند اللّه ليكون منهج حياة. منهج حياة واقعية. جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية، وتنظيمها، وتوجيهها، وصيانتها. ولم يجئ دين من عند اللّه ليكون مجرد عقيدة في الضمير ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدى في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 711، بترقيم الشاملة آليا)