فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 849

جاءتِ التّوْراةُ بِشِرْعةِ القِصاصِ: فالنّفْسُ تُقْتلُ بِالنّفْسِ، ولكِنّ اليهُود يُخالِفُون هذا الحُكْم عمْدًا وعِنادًا: فقدْ كانتْ قبِيلتا بنِي النّضِير وبنِي قُريْظة تتحاربانِ وتتقاتلانِ، وكانتْ قبِيْلة بنِي النّضِيرِ قوِيّةً عزِيزة الجانِبِ، وكان بنُو قُريْظة ضُعفاء أذِلاّء، فكان النّضِيرِيُّ إذا قتل قُرظِّيًا، لمْ يكُنْ لِيقْتُل بِهِ، بلْ يُعْدِلُ فِيهِ إلى الدِّيةِ. أمّا إذا قتل القُرظِيُّ نضيرِيًّا، فكان يُقْتلُ بِهِ، وفِي ذلِك مُخالفةٌ لِحُكْمِ التّوْراةِ

كما خالفُوا حُكْم التّوْراةِ فِي ترْكِ رجْمِ الزّانِي المُحْصنِ، كما أمرتْ بِهِ التّوْراةُ، وعدلُوا عنْهُ إلى الجلْدِ والتّحْمِيمِ. وقضتِ التّوْراةُ بِأنْ تُفْقأ العيْنُ بِالعيْنِ، وبِأنْ يُجْدع الأنْفُ بِالأنْفِ، وأنْ تُصْلم الأذْنُ بِالأذْنِ، وأنْ تُنزع السِّنُّ بِالسِّنِّ.

أمّا الجِراحُ فيتِمُّ فِيها القِصاصُ إذا كانتْ فِي مِفْصلٍ، فقُتْطعُ اليدُ والرِّجْلُ والكفُّ والقدمُ ونحْوُ ذلِك أمًّا إذا كان الجُرْحُ فِي عظْمٍ وليْس فِي مِفْصلٍ، فاخْتُلِف فِي كيْفِيّةِ التّطْبِيقِ.

فمنْ عفا وتصدّق بِحقّهِ فِي القِصاصِ على الجانِي، كان التّصدُّقُ كفّارةً لهُ يمْحُو اللهُ بِها قدْرًا مِنْ ذُنُوبِهِ.

ثُمّ يقُولُ تعالى: ومنْ لمْ يحْكُمْ بِما أنْزل اللهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ شْرعٍ، فأولئِك هُمُ الظّالِمُون، لأنّهُمْ لمْ يُنْصِفُوا المظْلُوم مِن الظّالِمِ، فِي أمْرٍ أمر اللهُ بِالعدْلِ والمُساواةِ فِيهِ بيْن جميعِ خلْقِهِ.

وأرْسلْنا مِنْ بعْدِ هؤُلاءِ الأنْبِياء مِنْ بنِي إِسْرائِيل عيسى بْن مرْيم مُؤْمِنًا بِالتّوْراةِ، وحاكِمًا بِما فِيها مِنْ أحْكامٍ، وأنْزلْنا عليْهِ الإِنْجِيل فِيهِ هُدًى لِلْحقِّ، وبيانٌ لِلأحْكامِ، ونُورٌ يُسْتضاءُ بِهِ فِي إِزالةِ الشُّبُهاتِ، وحلِّ المُشْكِلاتِ. وجاء الإِنْجِيل مُصدِّقًا لِلْتّوراةِ، ومُتّبعًا لها، غيْر مُخالِفٍ لِما فِيها إلاّ فِي القلِيلِ مِمّا بيّن لِبنِي إِسْرائِيل بعْض ما كانُوا يخْتلِفُون فِيهِ. وجعلْنا الإِنْجِيل هُدًى يهْتدِي بِهِ المُتّقُون، وواعِظًا وزاجِرًا لهُمْ عنِ ارْتِكابِ ما حرّم اللهُ، وعنِ اقْتِرافِ المآثِمِ.

يأْمُرُ اللهُ تعالى أهْل الإِنْجِيلِ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِجمِيعِ ما جاء فِيهِ مِن الأحْكامِ، وبِأنْ يعْملُوا بِها، ومنْ لمْ يحْكُمُ بِما أنْزل اللهُ مِنْ شرْعٍ يُؤْمِنُ بِهِ، كان مِن الفاسِقِين الخارِجِين عنْ طاعةِ اللهِ وحُكْمِهِ.

وأنْزل اللهُ تعالى القُرْآن (الكِتاب) إليك يا مُحمّدُ بِالحقِّ والصِّدْقِ الذِي لا ريْب فِيهِ، ولا شكّ فِي أنّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، مُصدّقًا لِلْكُتُبِ السّابِقةِ المُتضمِّنةِ ذِكْرهُ ومدْحهُ، والإِشارة إلى أنّهُ مُنْزلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ على عبْدِهِ ورسُولِهِ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -،فكان نُزُولهُ كما أخْبرْت بِهِ مِمّا زادها صِدْقًا عِنْد حامِلِيها مِنْ ذوِي البصائِرِ، الذِين اتّبعُوا أمْر اللهِ وشرْعهُ، وصدّقُوا رُسُلهُ. والقُرْآنُ جاء أمِينًا على الكُتُبِ السّابِقةِ، وشاهِدًا عليْها بِالحقِّ والصِّحّةِ بِما بيّنهُ مِنْ حقِيقةِ أمْرِها (مُهيْمِنًا عليْهِ) ،ومُبيِّنًا حال منْ خُوطِبُوا بِها: مِنْ نِسْيانِ حظٍّ عظيمٍ مِنْها، وتحْرِيفِ كثيرٍ مِمّا بقِي، أوْ تأْوِيلِهِ، والإِعْراضِ عنِ العملِ بِهِ.

وبِما أنّ الٌرْآن جاء رقِيبًا وأمِينًا وشاهِدًا (مُهيْمِنًا) على الكُتُبِ السّابِقةِ، التِي أنْزلها اللهُ على أنْبِيائِهِ، فاحْكُمْ يا مُحمّدُ بيْن أهْلِ الكِتابِ - إذا تحاكمُوا إليك - بِما أنْزل اللهُ إليك مِن الأحْكامِ، دُون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت