فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 849

وصيانتها ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات.

والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة.

فأما حين تتوزع السلطة، وتتعدد مصادر التلقي .. حين تكون السلطة للّه في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع .. وحين تكون السلطة للّه في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا ..

حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين، وبين اتجاهين مختلفين، وبين منهجين مختلفين .. وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» .. «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ» .. «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» ..

من أجل هذا جاء كل دين من عند اللّه ليكون منهج حياة. وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى، أو لأمة من الأمم، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة، إلى جانب العقيدة التي تنشئ التصور الصحيح للحياة، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب باللّه .. وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين اللّه. حيثما جاء دين من عند اللّه. لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين اللّه هو منهج الحياة [1]

وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى، التي ربما جاءت لقرية من القرى، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة .. وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى .. اليهودية، والنصرانية، والإسلام ..

ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ» :

فالتوراة - كما أنزلها اللّه - كتاب اللّه الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى اللّه. وطريقهم في الحياة .. وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد. وتحمل شعائر تعبدية شتى. وتحمل كذلك شريعة: «يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، لِلَّذِينَ هادُوا، وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ» .

أنزل اللّه التوراة لا لتكون هدى ونورا للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب. ولكن كذلك لتكون هدى ونورا بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج اللّه، وتحفظ هذه الحياة

(1) - يراجع بتوسع كتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» وكتاب «المستقبل لهذا الدين» وكتاب «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت