فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 849

به، بسبب ما كان منهم من مكر بآيات الله، والتواء على صراطه المستقيم، وتلاعب بشرعه القويم! وقوله تعالى: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ»

استفهام إنكارى أيضا، على تلك الفئة من المسلمين التي لا تزال تحت تأثير هذا الخداع الذي يلوح لهم من قبل المنافقين، ويتوقعون من جهتهم الخير والصلاح .. وكلا، فقد أضلّهم الله .. فهل في الناس من هو قادر على أن يهدى من أضله الله؟ «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» .. فإنه لا سبيل له غير هذا السبيل الذي سلكه، سبيل النفاق، الذي سيمضى فيه إلى غايته، التي تنتهى به إلى جهنم وبئس المهاد. [1]

وقد وردت في شأن هؤلاء المنافقين روايات، أهمها روايات [2] :

عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ ثَابِتٍ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِمْ فِرْقَتَانِ، فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا"الآيَةَ كُلَّهَا". [3]

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَنِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ، أُنْزِلَتْ فِينَا:""فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا"فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَقَالَ: مَنْ لِي بِمَنْ يُؤْذِينِي وَيَجْمَعُ فِي بَيْتِهِ مَنْ يُؤْذِينِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنَّا قَتَلْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَأَطَعْنَاكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: مَا بِكَ طَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ يَا ابْنَ مُعَاذٍ، وَلَكِنْ عَرَفْتُ مَا هُوَ مِنْكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عُبَادَةَ إِنَّكَ مُنَافِقٌ تُحِبُّ الْمُنَافِقِينَ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: اسْكُتُوا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ يَأْمُرُ فَيَنْفُذُ لأَمْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"". [4]

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ:""فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإِسْلامِ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَلَيْسَ عَلَيْنَا فِيهِمْ بَأْسٌ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ارْكَبُوا إِلَى الْخَبْثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدَدَهُمْ، وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ كَمَا قَالُوا: تَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا مِثْلَ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ"

(1) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 854)

(2) - التفصيل من عندي لزيادة الفائدة والتوضيح

(3) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 280) (5774) صحيح

(4) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 281) (5775) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت