يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ تُسْتَحَلُّ أَمْوَالُهُمْ وَدِمَائُهُمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ وَالرَّسُولُ عِنْدَهُمْ لا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ:"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"". [1] "
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ"أَنَّ نَفَرًا مِنْ طَوَائِفِ الْعَرَبِ هَاجَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَمَكَثُوا مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا ثُمَّ ارْتَكَسُوا، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَلَقُوا سَرِيَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَرَفُوهُمْ فَسَأَلُوهُمْ مَا رَدَّكُمْ؟ فَاعْتَلُّوا لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لَهُمْ: نَافَقْتُمْ، فَلَمْ يَزَلْ بَعْضُ ذَلِكَ حَتَّى فَشَا فِيهِمُ الْقَوْلُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"".وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالسُّدِّيِّ نحو ذلك. [2]
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: عَنْ عِكْرِمَةَ:""فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ"قَالَ: أَخَذَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَانْطَلَقُوا بِهَا، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَوْ لَقِينَاهُمْ قَتَلْنَاهُمْ وَأَخَذْنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ بَعْضٌ: لا يَصْلُحُ لَكُمْ ذَلِكَ إِخْوَانِكُمُ انْطَلَقُوا تُجَّارًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ". [3]
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ:""فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فئتين"قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَحَتَّى جَاءُوا الْمَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مَكَّةَلِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ يَتَّجِرُونَ فِيهَا، فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَجَاءُوا بِبَضَائِعَ يُرِيدُونَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيَّ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ حِلْفٌ، فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُؤِمُّونَ هِلالٌ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَهْدٌ". [4]
ومع أن الرواية الأولى أوثق من ناحية السند والإخراج إلا أننا نرجح مضمون الروايات الأخرى، بالاستناد إلى الواقع التاريخي فالثابت أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم ولم يقاتلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقتلهم. إنما كانت هناك خطة أخرى مقررة في التعامل معهم. هي خطة الإغضاء عنهم، وترك المجتمع نفسه ينبذهم، وتقطيع الأسناد من حولهم بطرد اليهود - وهم الذين يغرونهم ويملون لهم - من المدينة أولا. ثم من الجزيرة العربية كلها أخيرا .. أما هنا فنحن نجد أمرا جازما بأخذهم أسرى، وقتلهم حيث وجدوا: مما يقطع بأنهم مجموعة أخرى غير مجموعة المنافقين في المدينة .. وقد يقال: إن الأمر بأخذهم أسرى وقتلهم مشروط بقوله تعالى: «فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» .. فهو تهديد ليقلعوا عما هم فيه .. وقد يكونون أقلعوا فلم ينفذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر فيهم .. ولكن كلمة «يهاجروا» تقطع
(1) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 282) (5776) ضعيف
(2) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 283) (5777) صحيح لغيره
(3) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 283) (5778) صحيح مرسل
(4) - تفسير ابن أبي حاتم - (4/ 284) (5779) صحيح مرسل