الهِجْرة (تولّوا) ولزِمُوا مواضِعهُمْ، وأظْهرُوا كُفْرهُمْ فخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حيْثُ وجدْتُمُوهُمْ، ولا تُوالُوهُمْ، ولا تسْتنْصِرُوا بِهِمْ على عدُوّ لكُمْ ما دامُوا كذلِك [1]
النفاق أخبث نبتة وأشأمها، تنبت في كيان المجتمع، وتغتال أيّة رقعة من أرضه .. والمنافقون هم أخبث داء وأقتله، إذا تسلّطوا على مجتمع، وأوجدوا لأنفسهم مكانا فيه ..
ولقد ابتلى المسلمون- شأنهم شأن كل مجتمع- بالنفاق وبالمنافقين، الذين كانوا عدوا خفيا، يظاهر العدوّ الظاهر، الذي يلقاه المسلمون في ميدان القتال! وإذا كانت سيوف المسلمين قد عرفت طريقها إلى رقاب المشركين والكافرين، وأخذت بحقّها منهم، فإن أمر المسلمين مع المنافقين كان على خلاف .. حيث يظهر فيهم المنافق بأكثر من وجه، فلا يدرون على أي وجه يتعاملون معه، ولا على أي وجه يأخذونه .. فهو مسلم في ظاهره .. مشرك، أو كافر، في باطنه .. !
وإذا أتيح للمسلمين أن يروا من المنافق هذا الظاهر الذي يعيش فيه معهم، فمن لهم بأن يروا منه هذا الباطن الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب؟
وهنا موطن الحدس، والتأويل، ومكمن الخطر والحرج!! وفى عهد النبوة كشف الله سبحانه للنبى وللمسلمين عن كثير من المنافقين، وفضح لهم باطنهم، وعرضهم على الملأ عرضا فاضحا، بأعيانهم، وأسمائهم ..
فلم يكن أمرهم بعد هذا خافيا على أحد .. ولكن مع هذا ظل بعض المسلمين مترددا في كثير منهم، لما يبدو على ظاهرهم من سراب خادع، من الصلاح الزائف، والتقوى، الكاذبة ..
فجاء قوله تعالى: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» ؟ قاضيا على هذا التردد، قاطعا كل شك .. فلا ينبغى بعد هذا أن يكون المؤمنون على رأيين في المنافقين، وإنما هو رأى واحد لا خلاف عليه .. وهو أن هؤلاء المنافقين، منافقون، قولا واحدا، وأن على المسلمين جميعا أن يعاملوهم معاملة المشركين والكافرين، وأن يحذروهم حذر المنافقين والمشركين ..
وقوله تعالى: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» هو استفهام إنكارى، أن يكون المسلمون فريقين في أمر المنافقين، فريقا يحذرهم ويتخذهم عدوا، وفريقا آخر يقف منهم موقف التردد والترقب، تمحيصا لما في قلوبهم، واختبارا لما في صدورهم .. وذلك ما ينكره الله سبحانه على هذا الفريق، الذي وقف من هؤلاء المنافقين هذا الموقف المتردد ..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا» هو توكيد قاطع لما حكم الله به هو على هؤلاء المنافقين، وأنهم أهل ضلال وفساد، لا يرجى لهم صلاح أبدا .. فقد أقامهم الله على هذا النفاق، ودمغهم
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 581، بترقيم الشاملة آليا)