- «وَكانُوا مُجْرِمِينَ» أي كانوا أهل إجرام وفجور، وبغى وعدوان .. ولذلك أهلكهم الله .. ولو استقاموا على طريق الحق، ما نزل بهم ما نزل من نقم الله عليهم .. كما يقول سبحانه بعد ذلك:
«وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ» .. أي أن الله سبحانه، إنما أهلك القرى التي أهلكها بسبب ما كان من أهلها من ظلم وكفر وضلال .. وقد جرت سنة الله ألّا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما يقول سبحانه: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (53:الأنفال) [1] .
وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن اللّه في الأمم. فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير اللّه، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها اللّه بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة اللّه تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال ..
والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب .. وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية اللّه وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره .. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب اللّه، واستحقاق النكال والضياع ... [2]
وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } [المائدة:78 - 81]
لعن اللهُ الذِين كفرُوا مِنْ بنِي إِسْرائِيل فِي الزّبُورِ والإِنْجِيلِ، فقدْ لعن داوُدُ، عليْهِ السّلامُ، مِنْ اعْتدى مِنْهُمْ فِي السّبْتِ، أوْ لعن العاصِين المُعْتدِين مِنْهُمْ عامّةً، وكذلِك لعنهُمْ عِيسى بِنِ مرْيم، وسببُ ذلِك اللّعْنِ هُو تمادِيهِمْ فِي العِصْيانِ، وتمرُّدُهُمْ عنْ طاعةِ اللهِ، وتمادِيهِمْ فِي الظُّلْمِ والفسادِ (بِما كانُوا يعْتدُون) .
فقدْ كانُوا لا ينْهى أحدٌ مِنْهُمْ أحدًا عنِ مُنْكرٍ يقْترِفُهُ مهْما بلغ مِن القُبْحِ والضّررِ. والنّهِيُ عنِ المُنْكرِ هُو حِفاظُ الدِّينِ، وسِياجُ الفضائِلِ والآدابِ، فإذا تجرّأ المُسْتهْتِرُون على إِظْهارِ فِسْقِهِمْ وفُجُورِهِمْ، ورآهُمُ
(1) - التفسير القرآني للقرآن (6/ 1211)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2573)