فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 849

ويحتمل، أن المعنى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق، إذا رجعوا وأصلحوا عملهم، فإن الله يعفو عنهم، ويمحو ما تقدم من ظلمهم. [1]

لما كان في طبيعة الناس الغفلة عن مواقع الخير، وهم لهذا يحتاجون دائما إلى من يقوم فيهم مذكّرا لهم، آمرا بالخير، ناهيا عن المنكر- فقد جاء قوله تعالى: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ»

-ناعيا على الأمم السالفة التي أهلكها الله سبحانه بظلمها وضلالها، أنها لم يكن فيها دعاة خير، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقفون بجوار أنبيائهم، يشدون أزرهم، ويشيعون في الناس دعوتهم، ويسدون على السفهاء نوافذ العدوان على الأنبياء وأتباع الأنبياء.

-وفى قوله تعالى: «فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ» إنكار لما كان عليه أهل القرون الماضية، من فقدان أهل الخير بينهم، ودعاة الإصلاح فيهم .. وتحريض للمسلمين ألا يكونوا كهؤلاء الأقوام، بل يقوم من بينهم دعاة هدى وإصلاح، كما يقول الله سبحانه وتعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (104:آل عمران) ،وبهذا تقوى جبهة المؤمنين، ويشتد ركن الإيمان، وينفتح للناس الطريق إلى الهدى، والنجاة من عذاب الله.

-وقوله تعالى «أُولُوا بَقِيَّةٍ» أي أصحاب دين وإيمان، يعملون لما يبقى لهم عند الله في الآخرة، ومنه قوله تعالى: «بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ» أي ما يبقى لكم عند الله .. فأصحاب البقية، هم العقلاء الراشدون، الذين لا تلهيهم دنياهم عن آخرتهم ..

وقوله تعالى: «إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ» هو استثناء من النفي الواقع على أهل القرون الغابرة .. فقد كان فيهم جماعات قليلة استجابوا لدعوة الله، وآمنوا به، ودعوا إلى الله، كما كان من الرجل الصالح من قوم فرعون .. أما كثرتهم فكانت تموج في غيّها وضلالها، فلم يكن لأصحاب الدعوات فيهم من يسمع أو يجيب، إذ كانت تضيع أصواتهم وسط هذه الأمواج الهادرة من الغى والضلال .. وقد نجى الله سبحانه هؤلاء القلة المؤمنين، من هذا البلاء الذي أخذ به أقوامهم، الذين قاموا على ما هم فيه من ضلال ..

قوله تعالى: «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ» ..

إشارة إلى أن أهل المنكر قد غلبوا على أهل الخير والصلاح فيهم، فلم يلتفتوا إليهم، ولم ينتفعوا بنصحهم، فمضوا على ما هم فيه من ضلال، وغرقوا فيه من إلى أذقانهم، وأترفوا فيه، أي جعلوه نعيمهم في الدنيا، وحظهم منها ..

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 391)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت