فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 849

ليْس مِنْ سُنّةِ اللهِ تعالى، ولا مِنْ عدْلِهِ فِي خلْقِهِ، أنْ يُهْلِك القُرى بِشِرْكِ أهْلِها، ما دامُوا مُصْلِحِين فِي أعْمالِهِم الاجْتِماعِيّةِ، والعُمْرانِيّةِ والمدنِيّةِ، فلا يبْخسُون النّاس حُقُوقهُمْ، ولا يبْطِشُون بِالنّاسِ، ولا يُذِلُّون لِمُتكبِّرٍ جبّارٍ كقوْمِ فِرْعوْن، ولا يرْتكِبُون الفواحِش ولا يقْطعُون السّبِيل، ولا يأْتُون فِي نادِيهِمُ المُنْكر، بلْ لا بُدّ لهُمْ، لِيحِقّ عليْهِمُ العذاب والهلاك، مِنْ أنْ يجْمعُوا إِلى الشِّرْكِ الإِفْسادِ فِي الأرْضِ، والاساءةِ فِي الأعْمالِ والأحْكامِ، وأنْ يفْعلُوا الظُّلْم المُدمِّر لِلْعُمْرانِ.

فعنْ جرِيرٍ، قال:"لمّا نزلتْ:"وما كان ربُّك لِيُهْلِك الْقُرى بِظُلْمٍ وأهْلها مُصْلِحُون قال:"وأهْلُها يُنْصِفُ بعْضُهُمْ بعْضًا" [1] .

فالأُمّةُ التِي يقعُ فِيها الفسادُ بِتعْبِيدِ النّاسِ لِغيْرِ اللهِ بِصُورةٍ مِنْ صُورِهِ فيكُونُ فِيها منْ ينْهضُ لِدفْعِهِ هِي أُممٌ ناجِيةٌ لا يأْخُذُها اللهُ بِالعذابِ والتّدْمِيرِ. أمّا الأُممُ التِي لا يجِدُ فِيها الظّالِمُون منْ يرْدعُهُم وينْهاهُم عنِ الفسادِ فِي الأرْضِ فإِنّ سُنّة اللهِ تعالى تُحِقُّ عليْها إِمّا بِهلاكِ الاسْتِئْصالِ، وإِمّا بِهلاكِ الانْحِلالِ والاخْتِلالِ؟ [2]

لما ذكر تعالى، إهلاك الأمم المكذبة للرسل، وأن أكثرهم منحرفون، حتى أهل الكتب الإلهية، وذلك كله يقضي على الأديان بالذهاب والاضمحلال، ذكر أنه لولا أنه جعل في القرون الماضية بقايا، من أهل الخير يدعون إلى الهدى، وينهون عن الفساد والردى، فحصل من نفعهم ما بقيت به الأديان، ولكنهم قليلون جدا.

وغاية الأمر، أنهم نجوا، باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة {وَ} لكن {اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} أي: اتبعوا ما هم فيه من النعيم والترف، ولم يبغوا به بدلا.

{وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: ظالمين، باتباعهم ما أترفوا فيه، فلذلك حق عليهم العقاب، واستأصلهم العذاب. وفي هذا، حث لهذه الأمة، أن يكون فيهم بقايا مصلحون، لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى.

وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون، إماما في الدين، إذا جعل عمله خالصا لرب العالمين.

وما كان الله ليهلك أهل القرى بظلم منه لهم، والحال أنهم مصلحون، أي: مقيمون على الصلاح، مستمرون عليه، فما كان الله ليهلكهم، إلا إذا ظلموا، وقامت عليهم حجة الله.

(1) - مُعْجَمُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ (70) صحيح

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1590، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت