فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 849

الغوْغاء مِن النّاسِ قلّدُوهُمْ فِيهِ، وزال قُبْحُهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، وصار عادةً لهُمْ، وزال سُلْطانُ الدِّينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وتُرِكتْ أحْكامُهُ وراء ظُهُورِهِمْ، وفِي ذلِك إِشارةٌ إلى فشْوِ المُنْكراتِ فِيهِمْ. ويُقبِّحُ اللهُ تعالى سُوء فِعْلِهِمْ، ويذُمُّهُمْ على اقْتِرافِ المُنْكراتِ، وإِصْرارِهِمْ عليْها وسُكُوتِ الآخرِين عنْها، ورِضاهُمْ بِها.

وترى يا مُحمّدُ كثِيرًا مِنْ بنِي إِسْرائِيل، يتولّوْن الذِين كفرُوا مِنْ مُشْرِكِي العربِ ويُحالِفُونهُمْ عليْك، ويُحرِّضُونهُمْ على قِتالِك، وأنْت تُؤْمِنُ بِاللهِ، وبِما أنْزل اللهُ على رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وتشْهدُ لهُمْ بِصِدْقِ الرِّسالةِ، وأُولئِك لا يُؤْمِنُون بِكِتابٍ ولا رسُولٍ، ولا يعْبُدُون الله وحْدهُ، ولولا اتِّباعُ الهوى، وتزْيينُ الشّيْطانِ لهُمْ أعْمالهُمْ، ما فعلُوا ذلِك، فبِئْس ما قدّمُوهُ لأنْفُسِهِمْ فِي آخِرتِهِمْ مِن الأعْمالِ التِي اسْتوْجبتْ سخط اللهِ، وعظِيم غضبِهِ عليْهِمْ، وسيُجْزوْن على ذلِك شرّ الجزاءِ، وسيُحِيط بِهُمُ العذابُ، ولا يجِدُون عنْهُ مصْرِفًا، ويخْلُدُون فِي النّارِ أبدًا.

ولوْ كان هؤُلاءِ اليهُودُ، الذِين يتولّوْن الكافِرِين مِنْ مُشْرِكِي العربِ، يُؤْمِنُون بِالنّبِيِّ الذِي يدّعُون اتِّباعهُ (وهُو مُوسى عليْهِ السّلامُ) ،وما أُنْزِل إليْهِ مِن الهُدى والبيِّناتِ، لما اتّخذُوا أُولئِك الكافِرِين مِنْ عابِدِي الأوْثانِ، أوْلِياءً وأنْصارًا، ولكانتْ عقِيدتُهُمْ الدِّينِيّةُ صدّتْهُمْ عنْ ذلِك، ولكِنّ كثِيرًا مِنْهُمْ مُتمرِّدُون فِي النِّفاقِ، خارِجُون عنْ حظِيرةِ الدِّينِ، ولا يُرِيدُون إلاّ الجاه والرِّياسة، ويسْعوْن إلى تحْصِيلِهِما بِأيّةِ طرِيقةٍ كانتْ، وبِأيّةِ وسِيلةٍ قدرُوا عليْها .. [1]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ"،ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} إِلَى قَوْلِهِ {فَاسِقُونَ} [المائدة:81] ،ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا» سنن أبى داود [2] .

وعنْ حُذيْفة بْنِ الْيمانِ عنِ النّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال «والّذِى نفْسِى بِيدِهِ لتأْمُرُنّ بِالْمعْرُوفِ ولتنْهوُنّ عنِ الْمُنْكرِ أوْ ليُوشِكنّ اللّهُ أنْ يبْعث عليْكُمْ عِقابًا مِنْهُ ثُمّ تدْعُونهُ فلا يُسْتجابُ لكُمْ» سنن الترمذى [3] .

وعنْ أبِى بكْرٍ الصِّدِّيقِ أنّهُ قال يا أيُّها النّاسُ إِنّكُمْ تقْرءُون هذِهِ الآية: {يا أيُّها الّذِين آمنُواْ عليْكُمْ أنفُسكُمْ لا يضُرُّكُم مّن ضلّ إِذا اهْتديْتُمْ إِلى اللّهِ مرْجِعُكُمْ جمِيعًا فيُنبِّئُكُم بِما كُنتُمْ تعْملُون} (105)

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 748، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - سنن أبي داود (4/ 121) (4336) حسن - تأطر: تعطفه عليه وتوجهه إليه

(3) - برقم (2323) ومسند أحمد {5/ 389} برقم (24002) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 14 / ص 467) برقم (37221) وهو حَدِيثٌ صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت