فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 849

ولا شك أن هذه كانت تجربة ثقيلة على نفوس المؤمنين، وقد احتملوها صابرين، وكانت آيات الله تتنزل عليهم، فتبعث في نفوسهم المضطربة، سكنا، وتسوق إلى قلوبهم الملتهبة، بردا وسلاما.

ونجد في قوله تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» تصحيحا لما يقع في بعض النفوس المؤمنة من انزعاج أو استثقال لهذا العبء الذي حملوه من الإيمان بالله .. كما نجد في الآية والآيات التي بعدها إجابات قاطعة على تلك التساؤلات التي كانت تتردد في الخواطر: لم يكون الإيمان هكذا غالى الثمن، باهظ التكاليف؟ ولم يحملنا إيماننا بالله على هذا المركب الوعر؟ ألسنا على الهدى، وعلى الصراط المستقيم؟ وهل هذا الطريق هكذا وعر المسالك، مزدحم العقبات؟

ونعم .. إن الإيمان هكذا غالى الثمن، باهظ التكاليف، وإن طريقه وعر المسالك جمّ العقبات!! إنه الطريق إلى الجنة، وإن طريق الجنة محفوف بالمكاره! وإن هذا البلاء الذي يلقاه المؤمن على طريق إيمانه، هو ابتلاء له، وتمحيص لما عنده من صبر ومصابرة .. وهل يصفّى الذهب من الغثاء الذي علق به، إلا إذا صهر بالنار؟ «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ»

(31:محمد) . «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» (179:آل عمران) .

وهل انكشف وجه النفاق، وعرف المنافقون إلا في بوتقة الابتلاء، وفي مقام التضحية والبذل؟

إن الناس جميعا على سواء في حال الأمن والعافية .. فإذا كانت المحن والشدائد، فهم أنماط وأشكال، وهم معادن مختلفة، بين غث وثمين! والاستفهام في الآية الكريمة، للإنكار، والنفي .. أي ليس الأمر على ما يظن الناس وما يقدرون، من أنهم إذا قالوا آمنا كانوا مؤمنين .. كلّا، إن ذلك لا يكون حتى يفتنوا، وحتى يبتلوا .. وعندئذ ينكشف ما عندهم من إيمان ..

قوله تعالى: «وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» هكذا حكم الله في عباده .. فكما امتحن الله المؤمنين في الأمم السابقة، يمتحن سبحانه الذين أسلموا، بما يفتنهم، في دينهم مما يلقاهم من شدائد ومحن ..

فمن كان صادق الإيمان، سليم العقيدة، خالص النية، أمسك إيمانه في قلبه، وثبت عليه، ومن كان على غير تلك الصفة انخلع عن دينه، وألقى به لأول مسة تمسه من بلاء، وباعه بأبخس ثمن!.

-وفي قوله تعالى: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» - بهذا الأمر المؤكد- إعلان للمؤمنين بأنهم في وجه ابتلاء، وفي مواجهة فتن، لا بد لهم منها .. إن لم تكن واقعة بهم فعلا، فإنها ستقع حتما .. هكذا يجب أن يتقرر في نفوسهم من أول الطريق .. فمن شاء أن يكون في المؤمنين، فليوطن نفسه على هذا، وليستعد لحمل أفدح الضربات .. وإلا فليأخذ طريقا غير هذا الطريق، وأمامه أكثر من طريق فسيح.!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت