قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) } [العنكبوت:2 - 6]
هلْ ظنّ النّاسُ أنْ نتْركهُمْ وشأْنهُمْ بِمُجرّدِ نُطْقِهِمْ بالشّهادتيْنِ، وقوْلِهِمْ آمنّا باللهِ ورسُولِهِ، دُون أنْ يبْتلِيهُم اللهُ، ويخْتبِر صِدْق إِيمانِهِمْ: بِالهِجْرةِ، والتّكالِيفِ الدِّينْيةِ الأُخرى، والجِهادِ، والمصائِبِ؟ كلاّ، فإِنّ الله سُبْحانهُ وتعالى لا بُدّ مِنْ أنْ يبْتلِي عِبادهُ المُؤْمِنين، بِحسبِ ما عِنْدهُمْ مِنْ إٍِيمانٍ.
ولقدِ امتحن اللهُ المُؤمنين السّالِفين، وعرّضهُمْ للفِتْنةِ والاخْتِبارِ، وغايتُهُ سُبحانهُ وتعالى مِنْ هذا الابتِلاءِ والاخْتِبارِ هي أنْ يُمحِّصهُم فيعْلم الذين صدقُوا في دعوى الإِيمانِ، مِمّنْ هُمْ كاذبون في دعواهُم، ولِيُجازِي كُلاّ بما يسْتحقُّهُ.
أمْ هلْ يظُنّ الذِين يرْتكِبُون الفواحِش والآثام، أنْ يفُوتُوا ربّهُمْ، ويسْبِقُوهُ، فلا يسْتطِيعُ أنْ يُنْزِل بِهِمْ عِقابهُ العادِل، ولا أنْ يأْخُذهُمْ بِظُلْمِهِمْ وذُنُوبِهِمْ أخْذ عزِيزٍ مُقْتدِرٍ، كما هِي سُنّتُهُ في الظّالِمين؟ إِنّهم إِنْ ظنُّوا أنّ في اسْتِطاعتِهِمْ ذلِك فإِنّهُمْ ساء ما يظُنُّون، وما يحْكُمُون.
منْ كان يُؤْمِنُ بِالبعْثِ، ويطْمعُ فِي ثوابِ اللهِ يوم لِقائِهِ في الآخِرةِ، فلْيُبادِرْ إِلى فِعْلِ ما ينْفعُهُ، وعملِ ما يُوصِلُهُ إِلى مرْضاةِ ربِّه، وليجْتنِبْ ما يُسْخِطُ ربّه عليهِ، فإِنّ أجل اللهِ الذي حدّدهُ لِبعْثِ خلْقِهِ لِلحِسابِ والجزاءِ لآتٍ لا محالة، واللهُ هُو السّميعُ لأقْوالِ العِبادِ، العلِيمُ بِعقائِدهُمْ وأعْمالِهِمْ.
ومنْ بذل جُهْدهُ في جِهادِ عدُوٍّ لِدِينِهِ ووطنِهِ وقوْمِهِ، وفي مُجاهدةِ نفْسِهِ، وكفّها عنِ التّفْكِيرِ في المُنْكرِ والسُّوءِ، فإِنّهُ إِنّما يفْعلُ ذلِك ابْتِغاء نفْعِ نفْسِهِ، بِالفوْزِ بِثوابِ اللهِ على جِهادِهِ، وبِالنّجاةِ مِنْ عِقابِهِ، وليْس اللهُ بِحاجةٍ إِلى جِهادِ أحدٍ، فهُو تعالى غنِيٌّ عنْ جمِيعِ خلْقِهِ، وهُو عزِيزٌ لا يُنال ولا يُضامُ. [1]
فالمؤمنون، الذين لقيتهم هذه الآيات في أول الدعوة الإسلامية- كانوا في وجه محنة قاسية، حيث انخلعوا عن أهليهم، وانعزلوا عن مجتمعهم، وكانوا قلة قليلة في مواجهة عاصفة عاتية، تسوق إليهم البلاء بغير حساب، حتى هاجروا من ديارهم، وخرجوا من أموالهم .. فلما اجتمع لهم في موطنهم الجديد، شىء من القوة، وأذن الله لهم في القتال- كان أول لقاء لهم، مع آبائهم، وأبنائهم، وإخوتهم، فعملت سيوفهم في رقاب المشركين من أهليهم وذوى رحمهم، فما نكل أحد منهم عن أن يضرب بسيفه من كان- قبل الإسلام- يفديه بنفسه، ويلقى الموت دونه .. وقد حدّث التاريخ أن أبا بكر لقى ابنه في معركة بدر، وقد عرفه ابنه ولم يعرفه .. فلما كان بعد زمن، ودخل ابنه في الإسلام، قال لأبيه: لقد عرضت لى يوم بدر، فأعرضت عنك، فقال له أبو بكر، لو عرضت لى يومئذ، وأمكننى الله منك، لما رددت سيفى عنك!!
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3224، بترقيم الشاملة آليا)