فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 849

والمؤمنون الأولون الذين دخلوا في الإسلام، ورسخت أقدامهم فيه، هم- كما شهد التاريخ- أصفى الناس جوهرا، وأكرمهم معدنا .. فقد كانوا خلاصة مجتمعهم، وثاقة عزم، وقوة يقين .. فاحتملوا من الشدائد والمحن ما تتصدع به الجبال الراسيات .. «فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا .. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» «146:آل عمران» ومن أجل هذا، فقد شهد القرآن الكريم لهذه الصفوة المتخيرة من عباد الله أكرم شهادة، وجعل ميزان الواحد منهم يعدل عشرة من غير المؤمنين، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (65:الأنفال) ..

وأنت ترى أن الصفة التي فرق بها القرآن بين هؤلاء المؤمنين، والمشركين، هى «الفقه» .. وهو ليس ذلك العلم النظري، وإنما هو الحق الذي يملأ القلوب نورا، فيكشف لصاحبه من آيات الله، ودلائل قدرته، وعلمه، وحكمته، ما يصغر به كل شىء، إزاء عظمة الخالق وجلاله ..

قوله تعالى: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ» .

هو لفتة تلفت المؤمنين، الذين يعانون ما يعانون من أعباء الإيمان وتبعاته- إلى هؤلاء المشركين، الذين خلت دنياهم من هذا البلاء، وفرغوا لما هم فيه من متع الحياة .. فهؤلاء المشركون لهم يومهم الذي يوعدون، حيث يلقون ما يعلمه المؤمنون من سوء العذاب، الذي أعدّه الله للمشركين والمنافقين والكافرين .. إنهم لن يسبقوا يد القدرة المتمكنة منهم، وإنهم لن يفلتوا من بأس الله إذا جاءهم .. وإنهم إن ظنوا ذلك، فذلك الظن هو الذي يحملهم إلى الردى، ويسوقهم إلى الهلاك. «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» .

قوله تعالى: «مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .

هو دعوة للمؤمنين إلى ما أعد الله لهم من نعيم، وتطمين لقلوبهم بما وعدهم به من مغفرة ورضوان، فهم لهذا الوعد يعملون، وعلى رجاء لقاء ربهم يجاهدون، ويصبرون على ما يلقون من أذى وبلاء ..

-وقوله تعالى: «فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ» توكيد لتحقيق وعد الله، وأنه آت لا شك فيه، ولكن في الوقت الموقوت له .. ولهذا جاء النظم بلفظ «أجل» بدلا من اللفظ الذي يقتضيه سياق النظم وهو «اللقاء» .. وذلك للإشعار بأن هذا الوعد له أجل محدود، عند الله، وأنه متى جاء الأجل، التقى المؤمنون بما وعدهم الله به.

-وقوله تعالى: «وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» السميع لما يقول المؤمنون بألسنتهم، العليم بما انعقد في القلوب من إيمان، يصدّقه العمل ..

قوله تعالى: «وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» .

وهذا البلاء الذي يحتمله المؤمنون، وهذا الجهاد الذي يجاهدونه في سبيل الله، إنما هو تزكية لأنفسهم، وتطهير لقلوبهم، وإعلاء لذواتهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت